كيف يُقوّض عنف المستوطنين مستقبل أطفال الضفة؟
6 مايو 2026
ازدادت منذ السابع من أكتوبر وتيرة عنف المستوطنين واعتداءاتهم على أهالي الضفة الغربية، دون أن يُستثنى الأطفال من ذلك. وسنورد هنا بعض الأحداث التي وقعت في الآونة الأخيرة من عام 2026، كأمثلة، للتذكير لا الحصر. اعتبارا من 9 نيسان 2026 وحتى تاريخ كتابة المقال، منع المستوطنون أطفال خِربة أم الخير في مسافر يطا جنوبي الضفة الغربية، من الوصول إلى مدرستهم، بسبب مصادرة المدرسة لتوسيع مستوطنة "كرمئيل"، وأغلقوا الطريق الموصلة إليها بالأسلاك الشائكة، وكلما حاول الأطفال اجتيازها، منعوهم وأطلقوا عليهم قنابل الغاز وطردوهم، ما حدا بالأطفال بالتجمع لتلقي الدروس في العراء في أقرب نقطة على المدرسة.
أما الطفل محمود الزبن (14 عاما)، فتعرض لاعتداء من المستوطنين في 12 نيسان 2026، ورشوه بغاز الفلفل قرب منزله في بلدة بورين جنوبي نابلس شمالي الضفة الغربية، ضمن سلسلة اعتداءات متكررة نالت من أفراد عائلته. انتشرت للطفل فيديوهات وهو يقول لوسائل الإعلام: "حلمي أتمشى ببلدي وما أكون خايف".
وفي 8 نيسان 2026، أقدمت مجموعة من المستوطنين على اختطاف الطفل أسيد محمود غانم (14 عاما) من بلدة قبلان جنوب نابلس، واقتادوه إلى البؤرة الاستيطانية "أفيتار" قبل أن يفرجوا عنه لاحقا بعد أن نكلوا به وهددوه.
هذا غيض من فيض لحوادث كثيرة تتكرر يوميا في الضفة الغربية، العامل المشترك بينها هو اعتداءات المستوطنين.. فهل تترك هذه الاعتداءات أثرا نفسيا على أطفال الضفة؟ ما مدى خطورته؟ وكم يستمر؟ وهل يبهت أو يزول مع مرور الوقت؟

لا تقتصر تأثيرات اعتداءات المستوطنين على أطفال الضفة الذين يشاهدون العنف يوميا بأعينهم، والذين قد يقعون بأنفسهم ضحايا لهذا العنف، على اللحظة الآنية للعنف، بل تمتد لتشكِّل بنية نفسية طويلة المدى لدى الطفل.
إضافة إلى ذلك، يكتسب الأطفال أنماطا سلوكية عنيفة ليعيدوا إنتاجها لاحقا. وبذلك، يتحول العنف من حدث طارئ إلى بنية مستمرة تؤثر في تشكيل الهوية النفسية والاجتماعية للمجتمع بأكمله. فالطفل حين يختبر الخوف الذي تولده اعتداءات المستوطنين بنفسه، يبدأ تدريجيا في تعلم القسوة والغِلطة كطريقة للتعامل مع العالم؛ فيعمد لإظهار ردود فعل عنيفة أو اندفاعية، وقد يميل للانطواء المزمن والذعر والتوجس من كل شيء.
ما يزيد الأمور تعقيدا، أن هؤلاء الأطفال يواجهون عنف المستوطنين أحيانا وحدهم، ودون تدخل فعال ممن حولهم من الكبار الذين يُفترض بهم أن يقوموا بحمايتهم من المعتدين؛ خاصة وأن المستوطنين المعتدين مسلحين ومحميين من جيش الاحتلال، ما يُكسبهم هيمنة على الموقف برمته، ويُضعف موقف المدافعين الفلسطينيين. فيُعاد هنا تشكيل إدراك الطفل لمفهوم الأمان والثقة بالآخرين، حتى من المقربين له.
وحتى عندما يكبر هؤلاء الأطفال، فإن تأثيرات العنف لا تنحصر بالمستوى الفردي لأحدهم، بل تمتد عبر الزمن، وتنتقل من جيل إلى آخر عبر الذاكرة الجمعية من خلال إعادة السرد لما مروا به، سرديات تُحكى داخل العائلة والمجتمع، ويتناقلها الآباء والأبناء والأحفاد.. وتبقى حية لا تُنسى في الذاكرة الفردية والجمعية.

اعتداءات المستوطنين لا تشكل صدمة واحدة للأطفال، بل تغدو البيئة صادمة بشكل عام مع تكرار العنف والاعتداءات. ما يعيد تشكيل الاستقرار النفسي للطفل برمته، وتصبح المشاعر السلبية وضعًا دائمًا وليس مجرد حالة مؤقتة سرعان ما تزول.
وخاصة عندما يشهد الطفل عنف المستوطنين في محيطه القريب، ويصبح بنفسه عرضة له، فإنه يعيش حالة من الاضطراب والصدمة، تتسبب بظهور أعراض ما بعد الصدمة النفسية، مثل الشعور الدائم بالخوف والترقب، وتفجر نوبات من الغضب والعدوانية، وتظهر لديه الكوابيس الليلية، كما يعمد الطفل لاسترجاع الأحداث الصادمة في مخيلته رغمًا عنه وليس بإرادته، ما يدفعه لأن يبقى تحت تأثيرها النفسي باستمرار.
ولا تقف التأثيرات عند هذا الحد، بل تتعمق لتولد حالة من القلق المزمن وفقدان الأمان؛ خاصة حين تصبح البيوت والقرى مسرحا للاعتداءات المتكررة.. فيترسخ لدى الطفل إحساسا بانعدام وجود مكان آمن، فيعيش حالة توتر دائم، ويخشى النوم أو الخروج وحده أو الابتعاد عن والديه. وهذا القلق المستمر لا يكون عابرا، بل يتحول إلى نمط يومي يرافق تفاصيل حياته الصغيرة.
إن العيش تحت ضغط مستمر يؤثر سلبا على قدرة الطفل على التعلم والتركيز. فذهن الطفل الذي يعيش في حالة تهديد دائم ينشغل بالبقاء، لا بالتعلم.
وتظهر لدى الأطفال صعوبات في التعبير عن مشاعرهم أو السيطرة عليها، نتيجة تراكم الخبرات الصادمة وعدم توفر بيئة آمنة للتفريغ النفسي.
أما على المستوى المعرفي والتعليمي، فإن العيش تحت ضغط مستمر يؤثر سلبا على قدرة الطفل على التعلم والتركيز. فذهن الطفل الذي يعيش في حالة تهديد دائم ينشغل بالبقاء، لا بالتعلم، ما يجعله عاجزا عن الانخراط في العملية التعليمية بشكل طبيعي، الأمر الذي يؤثر في الأداء الدراسي ويؤدي إلى تأخره، ويضعف ذاكرته وقدرته على التركيز والانتباه، وهو ما ينعكس على مستقبله الأكاديمي والمهني لاحقًا.
وفي الحالات التي يُجبر فيها الطفل وعائلته على النزوح القسري، كما في حالات الهدم والاعتداءات، تتعمق هذه المشاعر، ويشعر الطفل بالاقتلاع من مكانه الذي ارتبط به، ويتولد لديه شعور بالضياع وعدم الانتماء، وتنشأ في نفسه تساؤلات حول العدالة والهوية، ويبنى في داخله صورة قاتمة للعالم باعتباره غير منصف وعدائي.
ونستطيع الاستخلاص أن عنف واعتداءات المستوطنين التي تنال من الأطفال أو يشاهدونها أمام أعينهم على أقل تقدير، لا تمر مرور الكرام، بل تترك في نفوسهم ندوبًا لا تزول، وربما يحملونها معهم طوال حياتهم وتؤثر فيهم وفي مستقبلهم، وتمتد آثارها لسنوات وأجيال.
إضافة إلى كل ما ذُكر، فإن تظافر هذه الظروف وتعرض الطفل لمشاهد وتجارب تفوق عمره وتدفعه لتحمل مسؤولية نفسه وغيره، يسهم في فقدانه طفولته بشكل مبكر، ويُجبره على نضج قسري مشوه، يفقده إحساسه بالبراءة ويزرع فيه وعيا مبكرا بالتهديد والخطر.
ونستطيع الاستخلاص أن عنف واعتداءات المستوطنين التي تنال من الأطفال أو يشاهدونها أمام أعينهم على أقل تقدير، لا تمر مرور الكرام، بل تترك في نفوسهم ندوبا لا تزول، وربما يحملونها معهم طوال حياتهم وتؤثر فيهم وفي مستقبلهم، وتمتد آثارها لسنوات وأجيال.
لذا أصبح تقديم الحماية لهم، ليس دربا من الرفاهية أو استجابة ثانوية، بل شرط أساسي لاستقرارهم النفسي والاجتماعي، ومنع تحول الصدمة إلى مسار دائم في حياتهم.