في الفجر، حين يكون الليل في ذروته صمتًا، تبدأ الحكايات الأكثر قسوة. هناك، عند تلك اللحظة التي يُفترض أن تكون آمنة في وعي الأطفال، اقتُلع ثائر حمايل (12 عاما) من نومه، ليجد نفسه فجأة داخل مسار طويل من الاعتقال والتحقيق.
ساعات الاعتقال الأولى: صدمة الفجر
يروي ثائر تفاصيل لحظة الاعتقال: جنود، أوامر سريعة، ويد تُنتزع من فراشها إلى العراء. لم يكن الفجر بداية يوم جديد، بل بداية انتقال قسري بين أمكنة مغلقة، لكل منها قسوته الخاصة. من معسكر "العاصور"، حيث تُرك ساعة في البرد، إلى غرفة ضيقة في "جبعيت"، حيث ضاق المكان بجسدين وامتلأ بثقل الانتظار، ثم إلى مركز تحقيق "بنيامين"، حيث يتحول الجسد الصغير إلى ساحة ضغط وعنف.
في تلك الغرف، كان التحقيق عبارة عن ممارسة مادية للهيمنة: ضرب، خنق، تقييد مستمر، واتهامات تفوق عمر صاحبها. أن يُتهم طفل بالانتماء إلى تنظيمات مسلحة، وأن يُوصف بـ"المخرب"، يكشف عن خطاب كامل يُعاد إنتاجه داخل منظومة الاعتقال التابعة للاحتلال، حيث يُعاد تعريف الطفولة ذاتها ضمن سياق أمني صارم.
لكن الرحلة لا تنتهي عند التحقيق. حين وصل ثائر إلى سجن عوفر، دخل طورا آخر من التجربة، أقل صخبا لكنه أكثر استنزافا. هناك، في قسم الأشبال، سحب الفرشات لساعات طويلة، طعام محدود، ومعاملة تخضع لمنطق الضبط أكثر مما تخضع لأي اعتبار إنساني. حتى الرمزية تدخل كأداة ضغط، كما في إجباره على تقبيل علم الدولة التي تعتقله، في محاولة لإعادة تشكيل الوعي عبر الإذلال.
أقسام الأطفال: واقع قاس وأثر طويل
قصة ثائر ليست استثناء، بل نافذة على واقع أوسع. تشير المعطيات إلى وجود نحو 9600 أسير فلسطيني، بينهم 350 طفلا و86 سيدة، يعيشون في منظومة اعتقال تتسم، وفق توصيفات ميدانية، بطابع انتقامي يتجلى في القمع المتكرر والحرمان من الاحتياجات الأساسية. كما بلغ عدد المعتقلين الإداريين نحو 3532 شخصا -وفق مؤسسات فلسطينية مختصة بشؤون الأسرى- وهي النسبة الأعلى مقارنة بفئات الأسرى المحكوم عليهم والموقوفين، إلى جانب المصنّفين ضمن ما يُسمى المقاتلين غير الشرعيين. ووصل عدد المعتقلين المصنفين تحت هذا المسمى إلى 1251 معتقلا، علما بأن هذا الرقم لا يشمل جميع معتقلي قطاع غزة المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي.
ضمن هذا السياق، تبدو أقسام الأطفال تحديدا مساحة مركبة: فهي من جهة تُدار كجزء من منظومة أمنية صارمة، ومن جهة أخرى تحتوي على فئة عمرية لا تزال في طور التشكّل النفسي. هذه الثنائية تخلق أثرا مضاعفا، حيث لا يقتصر الاعتقال على تقييد الجسد، بل يمتد ليطال بنية الإدراك والذاكرة. الطفل الذي يُنتزع من سياق حياته الطبيعية ويُوضع داخل بيئة مغلقة، يُعاد تشكيل علاقته مع العالم: مع السلطة، مع الخوف، وحتى مع ذاته.
رواية ثائر لا توثق حدثا فرديا فحسب، بل تكشف عن نمط. نمط تُصبح فيه الطفولة قابلة للإدراج ضمن حسابات السيطرة، ويُعاد تعريفها بوصفها حالة قابلة للاشتباه. وبين التفاصيل الصغيرة -غرفة ضيقة، يدان مكبلتان، فراش يُسحب صباحا- تتكوّن صورة أكبر: صورة منظومة لا تكتفي بإدارة الاعتقال، بل تُعيد إنتاجه كخبرة يومية طويلة