الأسير المثقف… سيرة الكاتب والباحث الفلسطيني ساري عرابي
27 أبريل 2026
في سياق الصراع على الرواية والوعي، يبرز اسم الأسير الكاتب والباحث الفلسطيني ساري عرابي بوصفه نموذجا للمثقف المقاوم، الذي لم تقتصر معركته على الأرض، بل امتدت إلى الكلمة والتحليل والفكر. فالرجل الذي عرفته المنابر الإعلامية محللا سياسيا، عرفته سجون الاحتلال أسيرا مستهدفا، في محاولة واضحة لإسكات الصوت الفلسطيني الحر.

وُلد ساري عرابي في مدينة رام الله، ونشأ في قرية رافات شمال غرب القدس، حيث تشكّلت ملامح شخصيته الأولى في بيئة متشبعة بالهوية الوطنية والدينية. منذ صغره، انخرط في العمل الدعوي والطلابي، وكان حاضرا في النشاطات الثقافية والسياسية داخل مدرسته ومساجد بلدته.
لم تكن حياته التعليمية مستقرة؛ إذ تعرّض للاعتقال مبكرا عام 1998 وهو على مقاعد الدراسة، في تجربة شكلت نقطة تحوّل في وعيه ومسيرته.
بعد الإفراج عنه، التحق بجامعة بيرزيت، حيث درس اللغة العربية وآدابها، وتخرج بعد سنوات طويلة تخللتها الاعتقالات والملاحقات. ثم أكمل دراساته العليا في برنامج الدراسات العربية المعاصرة.
لقد تعب على نفسه في بناء مشروعه الثقافي، فكان قارئا نهما، ومحللا دقيقا، يسعى إلى فهم الواقع الفلسطيني ضمن سياقاته التاريخية والسياسية.
هذا المسار المتعثر لم يكن عائقا، بل شكّل دافعا إضافيا لديه للاجتهاد والتعمق في القراءة والبحث. عُرف عرابي بشغفه الكبير بالمعرفة، واهتمامه بالتحليل السياسي والفكري، خاصة في قضايا الفكر الإسلامي والقضية الفلسطينية، حيث نشر العديد من المقالات والدراسات في مراكز بحثية ومجلات علمية. لقد تعب على نفسه في بناء مشروعه الثقافي، فكان قارئا نهما، ومحللا دقيقا، يسعى إلى فهم الواقع الفلسطيني ضمن سياقاته التاريخية والسياسية.
برز ساري عرابي ككاتب ومحلل سياسي في عدد من المنصات الإعلامية، منها مواقع وصحف عربية معروفة، حيث قدّم قراءات معمقة للأحداث الفلسطينية والإقليمية. كما شارك في برامج تلفزيونية، محللا للأحداث من زاوية فكرية وسياسية تربط الواقع بالسياق التاريخي. وتتميز كتاباته بالجمع بين التحليل السياسي والبعد الفكري، مما جعلها قادرة على مخاطبة النخبة والجمهور العام في آنٍ واحد.
لم يكن حضور عرابي الإعلامي مجرد تعليق على الأحداث، بل كان جزءا من معركة الوعي. فقد سعى إلى تقديم الرواية الفلسطينية بلغة علمية وتحليلية، تفكك الرواية الصهيونية، وتعيد بناء السردية الفلسطينية على أسس معرفية متينة.
في ظل التضليل الإعلامي العالمي، شكّل صوته نموذجا للمثقف الذي يدافع عن قضيته عبر الكلمة، ويعيد تعريف الصراع باعتباره صراعا على التاريخ والهوية، وليس مجرد نزاع سياسي عابر.
في أواخر عام 2025، أعادت قوات الاحتلال اعتقال ساري عرابي من منزله في بلدة رافات، ضمن حملة اعتقالات واسعة في الضفة الغربية. ولم يكن هذا الاعتقال الأول، بل هو امتداد لسياسة ممنهجة تستهدف المثقفين والكتاب الفلسطينيين، في محاولة لاغتيال الوعي وإسكات الأصوات المؤثرة. فقد أصبح المثقف الفلسطيني هدفًا مباشرًا، ليس لأنه يحمل سلاحا، بل لأنه يحمل رواية.
إن استهداف عرابي وأمثاله يعكس إدراك الاحتلال لخطورة الكلمة، وقدرتها على فضح سياساته، وكسر روايته، وتعزيز الوعي الجمعي الفلسطيني.
إن استهداف عرابي وأمثاله يعكس إدراك الاحتلال لخطورة الكلمة، وقدرتها على فضح سياساته، وكسر روايته، وتعزيز الوعي الجمعي الفلسطيني.
يمثل ساري عرابي نموذجا حيا للمثقف الفلسطيني الذي جمع بين الفعل الثقافي والنضالي، بين القلم والموقف. فمسيرته تؤكد أن معركة الفلسطيني ليست فقط على الأرض، بل على الوعي أيضا. وفي زمن تتعرض فيه الرواية الفلسطينية لمحاولات الطمس والتشويه، يبقى صوت المثقف الحر، رغم القيد، أحد أهم أدوات المقاومة، وأحد أبرز تجليات الصمود.