من وداع الأب إلى شهادة الابن: سيرة الفقد في المغيّر
25 أبريل 2026
في بلدة المغيّر، شرق رام الله، لا تُشيَّع الجثامين بصمت يليق بالموت، بل تحت وقع الرصاص، وبين غيوم الغاز، وعلى إيقاع ذاكرة لا تكفّ عن استدعاء الفقد. هناك، حيث تتقاطع الحكايات بين جيل وآخر، خرج الطفل أوس النعسان محمولا على الأكتاف، لا كجثمان فقط، بل كامتداد لسلسلة مفتوحة من الخسارات، وكأن البلدة تُعيد سرد مأساتها بذات اللغة، وبأسماء تتبدّل ووجع ثابت لا يتبدّل.
لم يكن أوس (14 عاما) مجرد رقم جديد في سجل الضحايا، بل كان وجها مألوفا في أزقة القرية، تلميذا في مدرستها الوحيدة، وطفلا لم يُكمل بعدُ تعريفه للحياة. في صباح عادي، بدا كل شيء قابلا للاستمرار، قبل أن يتكفّل رصاص المستوطنين بقطع هذا الامتداد. سقط في ساحة المدرسة، المكان الذي يُفترض أن يكون ملاذا للمعرفة، فإذا به يتحوّل إلى مسرح مكشوف للموت.

مشهد التشييع لم يكن أقل قسوة. حين حاول الأهالي إيصال جثمانه إلى منزله لإلقاء النظرة الأخيرة، اعترضت قوات الاحتلال الموكب، لا بوصفه حدثا إنسانيا، بل كهدف أمني. تقدّم الجنود، وأطلقوا الغاز والرصاص، في مشهد يختلط فيه الحداد بالقمع، والوداع بالاشتباك. بدا الأمر وكأن الموت لا يكتفي بحصد الضحايا، بل يلاحقهم حتى لحظاتهم الأخيرة، ويطارد ذويهم حتى وهم يودّعون.
إلى جانب أوس، كان جثمان جهاد أبو نعيم حاضرا، في تداخل رمزي بين حكايتين تفصل بينهما أسابيع قليلة فقط. جهاد، الذي انتظر الأبوة أربعة عشر عاما، لم يُمهل ليرى طفلته التي وُلدت بعد استشهاده.
إلى جانب أوس، كان جثمان جهاد أبو نعيم حاضرا، في تداخل رمزي بين حكايتين تفصل بينهما أسابيع قليلة فقط. جهاد، الذي انتظر الأبوة أربعة عشر عاما، لم يُمهل ليرى طفلته التي وُلدت بعد استشهاده. في هذا التقاطع، يتجلّى البعد الزمني للفقد الفلسطيني: أحلام تُؤجّل، وأخرى تُغتال قبل أن تولد، وحياة تُقاس لا بما عاشت، بل بما حُرمت منه.
غير أن حكاية أوس تحمل طبقة أعمق من التراجيديا. فالصبي الذي شيّعوه، كان قبل سنوات يقف في المكان ذاته مودّعا والده حمدي النعسان، الذي قُتل برصاص المستوطنين عام 2019. كأن القدر هنا لا يبتكر مآسيه، بل يعيد إنتاجها بنسخ متقاربة، حيث يُستنسخ المشهد ذاته: ابن يودّع أباه، ثم يلحق به بالطريقة نفسها. إنها ليست مصادفة عابرة، بل بنية متكررة للعنف، تُعيد تشكيل العائلة الفلسطينية على إيقاع الفقد.

في روايات الشهود، يتضح أن ما جرى لم يكن حادثا منفصلا، بل جزءا من سياق أوسع. هجوم المستوطنين على المدرسة والمنازل المجاورة، وإطلاق النار بكثافة، ثم وصول قوات الاحتلال لتكمل المشهد بالقنابل الغازية والرصاص، يعكس نمطا مركّبا من العنف، حيث يتكامل دور المستوطن مع الجندي، لا بوصفهما طرفين منفصلين، بل كأداتين ضمن منظومة واحدة. هنا، يتلاشى الخط الفاصل بين الفاعلين، وتصبح القرية ساحة مفتوحة لاختبار القوة.
المدرسة، التي تضم طلبة من الصف الأول حتى الثانوية، تحوّلت في تلك اللحظة إلى مركز استهداف. وهذا مؤشر على طبيعة الفضاء الذي يُعاد تعريفه تحت الاحتلال. فالمكان الذي يُفترض أن ينتج المستقبل، يُعاد تشكيله كموقع خطر، وكأن الرسالة المبطّنة تقول إن الطفولة نفسها ليست بمنأى عن الرصاص.
في البيت الذي لم يصل إليه جثمان أوس بسهولة، وفي الغرفة التي كان يفترض أن تحتضن وداعه الأخير، تتكثّف الحكاية. هناك، يقف شقيقه الصغير كريم، أمام فراغ مضاعف: أب غائب منذ سنوات، وأخ لحق به، تاركين له ذاكرة مثقلة بالصور، لا يعرف منها سوى القبور.
الأرقام التي تتحدث عن مئات الشهداء، لا تعكس وحدها حجم المأساة، بل تخفي خلفها حكايات فردية، لكل منها سياقها الخاص، وصوتها الذي غالبا ما يضيع وسط الضجيج.
منذ أكتوبر 2023، ومع تصاعد الهجمات في الضفة الغربية، أصبحت هذه الوقائع جزءا من يوميات متكررة. الأرقام التي تتحدث عن مئات الشهداء، لا تعكس وحدها حجم المأساة، بل تخفي خلفها حكايات فردية، لكل منها سياقها الخاص، وصوتها الذي غالبا ما يضيع وسط الضجيج.
قصة أوس النعسان مرآة لواقع أوسع، حيث يتقاطع العنف مع الزمن، وتتحول الذاكرة إلى عبء متوارث. في المغيّر، لا يُدفن الشهداء فقط، بل تُدفن معهم احتمالات الحياة، فيما تبقى الحكاية مفتوحة، تنتظر فصلا جديدا قد يحمل الاسم ذاته، والوجع ذاته، وإن اختلفت الوجوه.