طريق الطفولة يقطعه قنّاص: حكاية محمد الشيخ
22 أبريل 2026
لم يكن صباح ذلك اليوم مختلفا في مخيم الجلزون، حيث اعتاد الأطفال أن يسرقوا من ضيق المكان فسحة للعب، ويحوّلوا الأزقة المكتظة إلى مساحات للحياة. خرج محمد صابر الشيخ، ابن الثالثة عشرة، بخفة الطفولة وبراءتها، قاصدا أصدقاءه، غير مدرك أن الطريق القصير بين البيت واللعب قد ينتهي عند حافة الموت. لم يكن يحمل شيئا سوى عمره الغضّ، ولا يشكّل خطرا إلا على صمت يريد أن يستقر فوق المكان.

في لحظة خاطفة، انقسم المشهد: ضحكات تتناثر، ورصاصة تخترق الهواء، تستقر في رأس طفل. لم تكن رصاصة طائشة، بل كانت عينا باردة خلف منظار قناص، تختار هدفها بدقة. أصابت محمد في رأسه، وأتلفت جزءا من دماغه، كما لو أن المقصود لم يكن الجسد وحده، بل ما يحمله من مستقبل واحتمال. سقط الطفل، لا شهيدا يودَّع، ولا ناجيا يعود، بل معلقا بين حياة تتراجع وموت يتقدم، يرقد منذ ذلك الحين في غرفة العناية المكثفة، حيث تُقاس الحياة بالنبضات، لا بالأيام.
يروي والده أن الرصاص كان كثيفا لحظة اقتحام المخيم، وأن ابنه لم يكن سوى طفل يلعب. شهادة تختصر مشهدا يتكرر، حيث تتحول الأحياء إلى ساحات مفتوحة، ويغدو المدنيون أهدافا محتملة في أي لحظة. أما الأطباء، فيصفون حالة محمد بلغة باردة ضرورية: إصابة خطيرة في الدماغ، نزيف حاد، تدخل جراحي عاجل، حالة حرجة. لكن ما لا تقوله التقارير الطبية هو أن جزءا من الطفولة نفسها قد خرج مع ذلك النزيف، وأن الجسد الصغير صار يحمل عبء رصاصة أكبر من عمره.
لا تبدو الرصاصة مجرد فعل عسكري، بل تعبيرا عن نمط من التعامل مع الواقع الفلسطيني، حيث يُعاد تعريف "التهديد" ليشمل حتى الأطفال.
قصة محمد ليست حادثة معزولة، بل تفصيل في مشهد أوسع، تتقاطع فيه السياسة مع الحياة اليومية، وتُختبر فيه حدود القوة أمام هشاشة الإنسان. الأرقام الصادرة عن الجهات الرسمية تشير إلى مئات الأطفال الذين فقدوا حياتهم في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب على غزة، لكنها تبقى أرقاما عاجزة عن نقل المعنى الكامل للفقد. فكل رقم هو حكاية بيت تغيّر، وأم تنتظر، وطفولة انقطعت قبل أن تكتمل.

في هذا السياق، لا تبدو الرصاصة مجرد فعل عسكري، بل تعبيرا عن نمط من التعامل مع الواقع الفلسطيني، حيث يُعاد تعريف "التهديد" ليشمل حتى الأطفال. التبرير الجاهز، بأن الجندي شعر بالخطر، يتحول إلى مظلة واسعة، تختفي تحتها أسئلة المساءلة والمعنى. ومع تكرار هذا الخطاب، يصبح العنف مألوفا، وتُختزل الحياة الإنسانية في تقدير لحظي يقرره جندي خلف بندقيته.
وقد لامست هذه المفارقة ما كتبته المحامية والناشطة عميرة هيس، حين أشارت إلى أن الجندي يُمنح، عمليا، سلطة المدعي والقاضي والمنفذ في آن واحد، ما دام يرى في من أمامه "فلسطينيا". في مثل هذا السياق، يتحول القانون إلى غطاء يبرر الفعل بعد وقوعه، ويعيد إنتاجه في المرة التالية. وهكذا، تتآكل الحدود بين الأمن والعنف، بين الردع والاستباحة، حتى يصبح قتل طفل ممكنا، بل قابلا للتبرير.
القوة التي تستهدف طفلا أعزل لا تعكس تفوقا بقدر ما تكشف عن مأزق، حيث يصبح العنف وسيلة لإدارة واقع لا يمكن حسمه.
غير أن ما يتكشف في قصة محمد، وما يشبهها من قصص، يتجاوز حدود الحدث المباشر، ليطرح سؤالا أعمق عن معنى القوة وحدودها. فالقوة التي تستهدف طفلا أعزل لا تعكس تفوقا بقدر ما تكشف عن مأزق، حيث يصبح العنف وسيلة لإدارة واقع لا يمكن حسمه. في المقابل، تستمر الحياة في المخيم، رغم كل شيء، بوصفها شكلا من أشكال الصمود اليومي، حيث يتحول البقاء نفسه إلى فعل مقاومة.
بين سرير العناية المكثفة وأزقة المخيم، يقف محمد معلقا بين عالمين: عالم كان ينتظره، وآخر فُرض عليه. في جسده الصغير تختصر حكاية جيل كامل، يولد تحت وطأة واقع لا يختاره، ويُدفع إلى مواجهته مبكرا. ومع كل نبضة تُسجّلها الأجهزة، يبقى السؤال مفتوحا: كم من الطفولة يمكن أن ينجو في عالم تُصوَّب فيه البنادق نحو المستقبل؟