في المساء، حين تخفّ الأصوات داخل البيوت الفلسطينية، يظهر الغياب أكثر وضوحا. مقاعد فارغة على مائدة الطعام، وأسرّة لم يعد أصحابها إليها، وأطفال يعتادون النوم دون حكاية الأم أو حضور الأب. في يوم الأسير الفلسطيني، لا تبدو المناسبة مجرد استذكار رمزي، بل مرآة مفتوحة على وجع يتجدد، وعلى حكايات تتكاثر خلف الأبواب المغلقة، وتفاصيل يومية ثقيلة تعيشها عائلات كاملة، حيث يتحول الانتظار إلى جزء من الروتين، ويكبر الأبناء وهم يحاولون فهم غياب لم يختاروه.
لم يعد الاعتقال في السياق الفلسطيني حدثا استثنائيا، بل بنية مستمرة تعيد تشكيل المجتمع من داخله. ومع تصاعد السياسات الإسرائيلية تجاه الأسرى، تتعمق آثار هذه البنية، خاصة حين يمتد الاعتقال ليطال الأمهات، أو يجمع بين الأب والأم في آن واحد. هنا، لا يعود الفقد جزئيا أو قابلا للتكيّف، بل يتحول إلى اختلال عميق في توازن الأسرة، حيث يُعاد توزيع الأدوار قسرا، ويكبر الأطفال في ظل غياب مزدوج يثقل نموهم النفسي والعاطفي.
إعادة تشكيل العائلة تحت وطأة الغياب القسري
في قرية بيت فوريك قضاء نابلس، تكشف قصة الطفلة إيلياء (6 سنوات)، ابنة الزوجين الأسيرين مصعب وأسيل مليطات، عن هذا التشظي في صورته الأكثر هشاشة. تختبئ الطفلة خلف الصمت، وترفض الحديث عن والديها، في تعبير عن صدمة تفوق قدرتها على الفهم. تلجأ إلى الخيال لتبقيهما قريبين، فتؤلف حوارات ليلية معهما، كأنها تحاول ترميم الغياب بطريقتها الخاصة، حيث يتحول الفقد إلى حضور تتشبث به كل ليلة.
وفي مستوى آخر، تتجلى آثار هذا الواقع في إعادة تشكيل البنية الأسرية. ففي عائلات أخرى، تتقدم الابنة الكبرى لتحمل أدوار الأم الغائبة، بينما يحاول الابن المراهق التماسك في لحظة عمرية حرجة. هنا، لا يكون الاعتقال مجرد غياب جسدي، بل عملية تفكيك تدريجية لوظائف الأسرة، حيث تُلقى المسؤوليات على أكتاف غير مهيأة، وتُختزل مراحل النمو الطبيعي تحت ضغط الضرورة.
لا تنفصل هذه التجربة الفردية عن الإطار الأوسع لسياسة الاعتقال الإداري، التي تُبقي الأسرى في حالة تعليق قانوني وزمني، بلا تهمة واضحة ولا أفق محدد للإفراج. فحين يُعاد اعتقال الأب بعد أشهر من تحرره، وتُحتجز الأم ضمن أوامر قابلة للتجديد، يتحول الزمن نفسه إلى أداة ضغط، لا على الأسرى فحسب، بل على عائلاتهم أيضا. تتضاعف القسوة مع غياب المعلومات، وتقييد الزيارات، وتدهور الأوضاع الصحية داخل السجون، ما يعمّق حالة القلق الدائم التي تعيشها الأسر.
أرقام تتصاعد… وجيل يتشكل تحت ثقل الغياب
تعكس الأرقام تصاعدا غير مسبوق في سياسات الاعتقال منذ اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، إذ تشير معطيات مؤسسات الأسرى إلى ارتفاع عدد المعتقلين بنسبة 83%، ليصل إجمالي الأسرى حتى مطلع نيسان/أبريل 2026 إلى أكثر من 9600 أسير وأسيرة، مقارنة بنحو 5250 قبل الحرب. ويضم هذا العدد 86 أسيرة، بينهن أسيرتان معتقلتان منذ ما قبل الحرب، إضافة إلى 25 أسيرة رهن الاعتقال الإداري. كما يبلغ عدد الأطفال المعتقلين نحو 350 طفلا دون سن الثامنة عشرة، يتوزعون بشكل رئيسي على سجني عوفر ومجدو، فيما تحتجز طفلتان في سجن الدامون، في وقت وصل فيه عدد الأطفال المعتقلين إداريا حتى نهاية عام 2025 إلى 180 طفلا. أما الاعتقال الإداري، الذي يتم استنادا إلى ملفات سرية دون تهمة أو محاكمة، فقد شهد تصاعدا حادا، إذ تجاوز عدد المعتقلين الإداريين 3532 معتقلا، في مؤشر يعكس اتساع نطاق هذه السياسة وتداعياتها على المجتمع الفلسطيني.
في المحصلة، لا يمكن قراءة هذه القصص بوصفها حالات فردية معزولة، بل كجزء من سياق أوسع يعيد تشكيل المجتمع الفلسطيني تحت وطأة الاعتقال. إنها حكاية جيل ينشأ في ظل الغياب، ويطوّر أدواته الخاصة لمواجهته، بين الصمت والخيال، وبين تحمّل المسؤولية المبكرة والبحث عن معنى وسط الفقد. وبينما تستمر هذه الدائرة، يبقى السؤال مفتوحا: كم من الطفولة يمكن أن يحتمل هذا الغياب، قبل أن يتحول إلى ذاكرة جماعية لا تنسى