ساعتان للوداع: عودة مؤقتة إلى مخيم جنين
15 أبريل 2026
في ساعتين فقط، تُختزل حكاية عمر كامل. تدخل النساء إلى مخيم جنين بخطوات مترددة، كأنهن يسرن فوق طبقات من الذاكرة لا فوق الركام. المكان الذي كان يضج بالحياة، صار فجأة صامتا، لا يُسمع فيه سوى وقع الأقدام الثقيلة وأنفاس متقطعة تختلط بالبكاء المكتوم. في تلك اللحظة، حين سُمح لنحو 120 سيدة بالدخول إلى المخيم، امتزجت الدموع ببحث صامت عمّا تبقى من حياة سابقة.
هذه العودة المؤقتة، التي سمحت بها السلطات الإسرائيلية لعشرات النساء ولمدة لا تتجاوز الساعتين، تكشف طبيعة العلاقة التي يفرضها الاحتلال مع المكان والإنسان معا؛ علاقة تُدار بمنطق السيطرة لا الحياة، وبإيقاع عسكري يُحدد حتى لحظات الحنين. فالدخول إلى المخيم لم يكن عودة، بل أقرب إلى زيارة مقيدة، محكومة بمسارات محددة، وتحت رقابة مشددة، حيث تتحول الذاكرة إلى شيء خاضع للتفتيش، كما تُفتش الأجساد والحقائب.
منذ انطلاق عملية السور الحديدي في 21 يناير 2025، لم يعد مخيم جنين كما كان. أكثر من 22 ألف فلسطيني نزحوا قسرا، ومئات المباني السكنية هُدمت بشكل كامل، في سياق إعادة تشكيل جغرافيا المكان بما يتجاوز البعد العسكري إلى محاولة محو المعالم والرموز.
وتعد هذه هي المرة الثانية التي يسمح فيها الجيش الإسرائيلي بمثل هذه الخطوة الاستثنائية، إذ سمح في 8 يوليو 2025 بدخول 25 سيدة فلسطينية لإخراج بعض مقتنياتهن.
منذ انطلاق عملية السور الحديدي في 21 يناير 2025، لم يعد مخيم جنين كما كان. أكثر من 22 ألف فلسطيني نزحوا قسرا، ومئات المباني السكنية هُدمت بشكل كامل، في سياق إعادة تشكيل جغرافيا المكان بما يتجاوز البعد العسكري إلى محاولة محو المعالم والرموز. لم يعد المخيم مجرد مساحة سكنية، بل أصبح ساحة لإعادة كتابة الوجود الفلسطيني ذاته، عبر تفريغه من سكانه وتحويله إلى فضاء مراقَب ومسيطر عليه.

في هذا السياق، تبدو شهادات النساء اللواتي دخلن المخيم أشبه بنصوص حية للفقد. سحر الرُخ، التي لم تجد منزلها بعد 15 شهرا من النزوح، تختصر التجربة بعبارة مكثفة: "لم أجد البيت.. فقط الوجع والاشتياق". هذه الجملة لا تصف حالة فردية، بل تعكس تحوّل البيت من مكان مادي إلى فكرة مهددة، ومن مأوى إلى ذكرى. أما تهاني الغول، فترى في المخيم "مدينة أشباح"، حيث لا شيء سوى الدوريات العسكرية، في صورة تُجسد الانقطاع الحاد بين الماضي والحاضر.
غير أن التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف عمق الكارثة. امرأة حملت ما وجدته في المكان: ورق عنب، وحبة ليمون، وبسكويت من بقالة جارتها؛ أشياء تبدو عادية، لكنها في سياقها تتحول إلى شواهد على حياة كاملة كانت هنا. وأخرى عاشت في المخيم على مدى 40 عاما، لم تتمكن إلا من إنقاذ مصباح زيت قديم أهدتها إياه والدة زوجها يوم زفافها، بينما تترك خلفها صور أبنائها وشهاداتهم الأكاديمية تحت الركام. في هذه المفارقة، يتجلى المعنى الحقيقي للخسارة: ليس فقط ما يُدمّر، بل ما يُترك خلفه دون قدرة على الاسترجاع.
الزمن هنا ليس استمرارية، بل انقطاع متكرر، يفرضه واقع عسكري يجعل من العودة حدثا استثنائيا، لا حقا طبيعيا.
تُظهر هذه الزيارة المحدودة كيف يُعاد تعريف الزمن نفسه تحت الاحتلال. فالساعتان لا تُقاسان بالدقائق، بل بقدرة الإنسان على التقاط ما يمكن إنقاذه من ذاكرته قبل أن يُجبر على الرحيل مرة أخرى. الزمن هنا ليس استمرارية، بل انقطاع متكرر، يفرضه واقع عسكري يجعل من العودة حدثا استثنائيا، لا حقا طبيعيا.

ولا يمكن فصل هذه المشاهد عن السياق الأوسع في الضفة الغربية، حيث تتواصل عمليات الاقتحام والهدم والاعتقال، بالتوازي مع سياسات تهدف إلى تقويض البنية الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين. فإغلاق مؤسسات مثل "الأونروا"، ومنع تقديم الخدمات الأساسية، يعمّق من حالة التفكك، ويُسرّع من تحويل المخيمات إلى مساحات طاردة للحياة.
في ساعتين، حاولن ترميم ما لا يُرمم، وجمع ما لا يُجمع، ووداع ما لا يُودَّع. وبينما أُجبرن على المغادرة مجددا، بقيت الذاكرة هناك، معلّقة بين بيت لم يعد قائما، وزمن لم يعد ممكنا.
إن ما يحدث في مخيم جنين ليس مجرد عملية عسكرية عابرة، بل هو جزء من نمط أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني، ديموغرافيا وجغرافيا. ومع تصاعد التحذيرات من احتمالات ضم أجزاء من الضفة الغربية، تبدو هذه الإجراءات وكأنها تمهيد لمرحلة جديدة، تُغلق فيها نوافذ الحل السياسي، وتُفرض وقائع جديدة على الأرض. إذ أحدثت قوات الاحتلال تغييرات واسعة في جغرافية المخيم على مدى نحو 16 شهرا، وعملت على محو معالم فيه، بهدم نحو 300 مبنى سكني.
في النهاية، تبقى صورة النساء العائدات إلى الركام هي الأكثر بلاغة. في ساعتين، حاولن ترميم ما لا يُرمم، وجمع ما لا يُجمع، ووداع ما لا يُودَّع. وبينما أُجبرن على المغادرة مجددا، بقيت الذاكرة هناك، معلّقة بين بيت لم يعد قائما، وزمن لم يعد ممكنا.