أسرانا.. حكاية وجع لا تنتهي
13 أبريل 2026
في زاوية الصمت، حيث تغيب الشمس خلف القضبان، يعيش أعزّ الناس على قلوبنا؛ تعيش هناك أرواح تنبض، وأحلام مؤجلة، وقلوبٌ متعلّقة بالأمل.
يعدّون الوقت بالثواني انتظارا للخروج، لمعانقة أهلهم وأبنائهم ووطنهم. أرواح أنهكها الانتظار، ونسيها كثيرون، وخذلتها أمتها. يعيشون حياة لا تشبه الحياة الآدمية ولو بقدرٍ ضئيل؛ تخيّل أن تُلقى على الأرض حبّةُ أرز لتقتسمها أنت وإخوتك في السجن، وتظلّون تنتظرونها لساعات. تخيّل أن تعيش بين الحشرات والقوارض، وأن تنام على أرض باردة قاسية، وأن تُحاصر في بيئة ملوّثة تفتقر لأدنى مقومات النظافة والكرامة. تخيّل أن يُقاس يومك بالقيود، وأن تُحرم من أبسط حقوقك الإنسانية؛ فلا طعام كافٍ، ولا علاج، ولا حتى شعور بالأمان. ويزيد الألم حين يُحرم الأسير من رؤية أهله، أو سماع أصواتهم، فتتحوّل الزيارة إلى حلمٍ مؤجّل، والرسالة إلى أمنية بعيدة.
ن القهر بالصبر، ويتمسّكون بالأمل كأنه طوق النجاة الأخير. يحوّلون الزنازين الضيقة إلى مساحات للحياة، يتعلّمون ويعلّمون، ويزرعون في قلوبهم يقينا بأن هذا الظلام لن يدوم.
ورغم كل ذلك، لا تنكسر أرواحهم؛ يقاومون القهر بالصبر، ويتمسّكون بالأمل كأنه طوق النجاة الأخير. يحوّلون الزنازين الضيقة إلى مساحات للحياة، يتعلّمون ويعلّمون، ويزرعون في قلوبهم يقينا بأن هذا الظلام لن يدوم. إنهم يعيشون الألم بكل تفاصيله، لكنهم يرفضون أن يعيشوا الهزيمة، فيبقون صامدين، كأنّ في صدورهم وطنًا كاملًا لا تستطيع القضبان أن تسجنه.

ولا تقف معاناة الأسرى عند حدود الجوع والحرمان فقط، بل تتعدّاها إلى تفاصيل يومية تُثقل الروح قبل الجسد. فهم يصعقون بالكهرباء، ويُجبرون بالنوم على الأرض، مكبّلي الأيدي ومعصوبي الأعين، في مشهد يُجرّد الإنسان من أبسط حقوقه، والكثير الكثير من أنواع التعذيب.
حتى أنهم يُحرمون من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية؛ فيُمنع بعضهم من قراءة القرآن أو أداء الصلاة، ويُضيَّق عليهم إن حاولوا التعلّم أو التفقّه في دينهم، بل وقد يُعزل الأسير إذا ضُبط وهو يحاول يمنح اخوانه القوة والصبر.
أمّا الأسيرات، فمعاناتهنّ مضاعفة؛ إذ تُنتهك خصوصيتهنّ وكرامتهنّ بطرق قاسية، فتُجبر إحداهنّ على فكّ حجابها، وتُحرم من أبسط أدوات العناية بنفسها، وأبسط مثال تمشّط شعرها بيديها في ظروفٍ تفتقر لأدنى مقومات الإنسانية. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعرضن لمضايقات ومعاملة مهينة تُخدش فيها كرامتهنّ بشكل مؤلم.
ومن صور المعاناة أيضا الإهمال الطبي المتعمّد، حيث يُترك المرضى دون علاج كاف، فتتفاقم آلامهم بصمت. كما يُعاني الأسرى من العزل الانفرادي لفترات طويلة، يُحرَمون خلالها من التواصل مع الآخرين، في محاولة لكسر إرادتهم وعزلهم عن العالم.
تبقى سياسة التفتيش والإذلال، والحرمان من الزيارات، والنقل المتكرر بين السجون، أدوات تزيد من قسوة حياتهم، وتُرهق أجسادهم ونفسياتهم.
وفوق كل ذلك، تبقى سياسة التفتيش والإذلال، والحرمان من الزيارات، والنقل المتكرر بين السجون، أدوات تزيد من قسوة حياتهم، وتُرهق أجسادهم ونفسياتهم.

ولا تقتصر المعاناة على الأسرى وحدهم، بل تمتد لتنهش قلوب عائلاتهم التي تعيش ألم الغياب في كل لحظة. فهناك أمّ تنتظر ابنها على أحرّ من الجمر، تترقّب خبرا يطمئن قلبها، أو زيارةً قد تُمنع في أي وقت. تمضي أيامها وهي تعدّ السنوات، وتُخفي دموعها خلف دعاء لا ينقطع.
وهناك أطفال كبروا وهم لا يعرفون ملامح آبائهم إلا من الصور، يحفظون أسماءهم كما يُحفظ الحلم، ويعيشون شوقا لا يفهمه إلا من ذاق مرارة الفقد.
أما الزوجات، فيحملن عبء الغياب وحدهن، يواجهن الحياة بقوةٍ ظاهرة، بينما تختبئ في داخلهنّ حكايات من الألم والانكسار. بيوتٌ غاب عنها دفءُ الأب، وقلوبٌ أثقلها الانتظار، لكنها ما زالت متمسكة بالأمل، مؤمنةً بأن يوم اللقاء قادم لا محالة.
يعيشُ أسرانا على أملٍ لا ينطفئ، أن تتحرّك ضمائر أبناء أمّتهم، وأن تتوحّد القلوب لأجل حريّتهم. أليس صحيحًا أن المسلم أخو المسلم؟ فلماذا هذا الخذلان؟ ولماذا هذا النسيان؟
أسرانا يُعذَّبون بأقسى أنواع العذاب، ويُتركون ليواجهوا مصيرهم وحدهم، كأنّهم خارج ذاكرة العالم.
أسرانا يُعذَّبون بأقسى أنواع العذاب، ويُتركون ليواجهوا مصيرهم وحدهم، كأنّهم خارج ذاكرة العالم.
تخيّل أن تكون أسيرا في وطنك، تُسلب منك حريتك على أرضك، وتُحاصَر حتى داخل الزنزانة. ثم يُقال لك: حكمك الإعدام! أن يُختصر عمرك بقرار بارد، وأن تُعلَّق روحك بين جدران صمّاء، لا تسمع أنينك، وكأن العدالة غابت، ولم يبقَ إلا صوت السجّان. أسرى فلسطين يقفون اليوم على حافة الغياب القسري، تحت سيف أحكام ظالمة، تُهدّد حياتهم في كل لحظة.
أن تكون منسيا في زنازين الأحياء، ثم تُساق إلى حكم بالموت.. أيُّ وجعٍ هذا؟ وأيُّ قسوة يحتملها قلب إنسان؟ إنهم لا يطلبون المستحيل، بل حقّهم الطبيعي في الحياة والحرية؛ أن يروا الشمس بلا قيود، وأن يعانقوا أحبابهم دون حواجز، وأن يعيشوا كباقي البشر دون خوفٍ أو تهديد. أما آنَ لأصحاب الأرض أن يعانقوا الحرية؟ أما آنَ لهذا الليل الطويل أن ينجلي؟ سيبقى أسرانا صامدين، وسيبقى الأمل في قلوبهم حيّا، مهما اشتدّ الظلم، لأن الحرية وعد لا يموت، وحقّ لا يُسلب.