العبور إلى العالم عبر بوابات الاحتلال: هُنا استراحة أريحا
11 أبريل 2026
مع انبلاج الفجر على تخوم أريحا، كانت وجوه المسافرين تتقاطع في صمت ثقيل، كأنها تحمل حكايات متشابهة من الانتظار والقلق. أطفال متعبون يستندون إلى أكتاف أمهاتهم، رجال يحدّقون في الأفق كأنهم يفتشون عن وعد بعيد، ونساء يضبطن تفاصيل الرحلة بقلوب مثقلة بالترقب. في ذلك المشهد، لم يكن السفر مجرّد انتقال من مكان إلى آخر، بل تجربة وجودية تختزل معنى العبور الفلسطيني: انتظار بلا يقين، وحركة بلا حرية، وأمل يتأرجح بين بوابة مغلقة وأخرى قد تُفتح فجأة.
تتجاوز معاناة السفر لدى الفلسطينيين في الضفة الغربية حدود المشقة الاعتيادية، لتغدو تعبيرا مكثفا عن بنية السيطرة التي تحكم حياتهم اليومية. فالمسار الطبيعي لأي رحلة -من المنزل إلى المطار- يتحول إلى سلسلة من الإجراءات المعقدة والمفتوحة على الاحتمالات. إن رحلة لا تتجاوز في حساباتها الجغرافية بضع ساعات، قد تمتد إلى يوم كامل أو أكثر، ليس بفعل المسافة، بل بفعل القيود المفروضة على الحركة.

في قلب هذه التجربة يقف جسر اللنبي، بوصفه المعبر الوحيد الذي يربط الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة بالعالم الخارجي. غير أن هذا المعبر لا يعمل كمنفذ سيادي طبيعي، بل كحيز خاضع بالكامل لمنطق التحكم الإسرائيلي، حيث تُتخذ القرارات الحاسمة -فتحا وإغلاقا، سماحا ومنعا- خارج أي اعتبار لاحتياجات المسافرين أو ظروفهم الإنسانية. بذلك، يتحول السفر إلى مقامرة يومية، يراهن فيها الفلسطيني على احتمالية العبور، دون ضمانات أو وضوح.
تكشف تفاصيل الرحلة عن اقتصاد خفيّ يتغذى على معاناة العابرين. فالمسافر، إلى جانب ما يدفعه من أثمان نفسية وجسدية، يجد نفسه أمام تكاليف إضافية: ضرائب تُفرض دون سيادة حقيقية، تذاكر مزدوجة للنقل، وخيارات "خاصة" لمن يستطيع دفع المزيد لتجاوز الطوابير. في هذا السياق، لا يبدو الفقر عائقا أمام الاستغلال، بل فرصة لتكريسه، حيث تتحول الحاجة إلى السفر إلى مورد اقتصادي قائم على الإكراه.
حين يُجبر الإنسان على الانتظار لساعات طويلة دون تفسير، أو يُمنع من السفر دون سبب واضح، تتآكل لديه فكرة السيطرة على حياته.
لكن الأثر الأعمق لهذه التجربة لا يقاس فقط بما تفرضه من أعباء مادية، بل بما تتركه من ندوب معنوية. فحين يُجبر الإنسان على الانتظار لساعات طويلة دون تفسير، أو يُمنع من السفر دون سبب واضح، تتآكل لديه فكرة السيطرة على حياته. يتكرر هذا الإحساس في كل تفصيل: في فقدان الأمتعة، في فوات الرحلات، في الوقوف تحت الشمس الحارقة أو في البرد القارس. إنها حالة من الإخضاع الرمزي، حيث يُعاد تشكيل العلاقة بين الفرد والزمان والمكان وفق منطق الهيمنة.
ولا يمكن فهم هذه المعاناة بمعزل عن سياقها التاريخي. فقد كان للفلسطينيين في السابق منافذ متعددة للسفر، من مطار القدس إلى ممرات برية وجسور أخرى، إلا أن هذه الخيارات أُغلقت تدريجيا، حتى انحصر العبور في مسار واحد شديد الهشاشة. إن هذا التقلص في خيارات الحركة لا يعكس مجرد تحولات لوجستية، بل يعبّر عن سياسة منهجية تهدف إلى إعادة تعريف المجال الحيوي للفلسطيني، وتقليصه إلى حدوده الدنيا.
في هذا الإطار، يغدو السفر مرآة مكبرة لواقع أوسع، حيث تتجلى السيطرة ليس فقط في الحواجز المادية، بل في القدرة على التحكم بالزمن والفرص والمصائر.
في هذا الإطار، يغدو السفر مرآة مكبرة لواقع أوسع، حيث تتجلى السيطرة ليس فقط في الحواجز المادية، بل في القدرة على التحكم بالزمن والفرص والمصائر. فحين يصبح الوصول إلى مطار دولي مهمة شاقة، وحين يتحول العبور إلى اختبار يومي للصبر، فإن القضية لم تعد مجرد حرية تنقل، بل مسألة كرامة إنسانية.
ورغم ذلك، يظل الفلسطيني متمسكا بمحاولته الدائمة للعبور، لا بوصفها حاجة عملية فحسب، بل كفعل مقاومة صامتة. ففي كل رحلة تُستأنف رغم العوائق، وفي كل انتظار يُحتمل رغم القسوة، يتجدد الإصرار على انتزاع الحق في الحركة، وعلى كسر حدود المفروض.