بين الخيمة والركام: طفولة تُسلب وأحلام تُدفن في غزة
6 أبريل 2026
في فجر مثقل بالرماد، حين تتثاءب المدن على ضوء خافت يشبه الأمل، لا ينهض أطفال غزة إلى حقائبهم، بل إلى وجع يتقن طرق أبوابهم كل صباح. هناك، حيث تختلط أصوات العصافير بدويّ الانفجارات، تتبدل معاني الطفولة، فلا تعود فسحة للعب، بل مساحة للبقاء. طفل يمسح النوم عن عينيه لا ليتهيأ لدرس في الحساب، بل ليحسب احتمالات النجاة في يوم جديد، وطفلة ترتب خصلات شعرها لا لتذهب إلى المدرسة، بل لتخفي ارتباك الخوف في مرآة مكسورة.

في هذا المشهد المأساوي، يأتي يوم الطفل الفلسطيني، لا بوصفه مناسبة احتفالية، بل مرآة فادحة تعكس حجم الفجوة بين ما ينبغي أن يكون، وما هو قائم بالفعل. فمنذ إقراره عام 1995، حمل هذا اليوم وعدا بحماية الطفولة وصون حقوقها، غير أن أطفال غزة اليوم يعيشون على هامش هذا الوعد، محاصرين بين ركام البيوت وانهيار المعنى، حيث تتحول الحقوق الأساسية إلى امتيازات نادرة، ويغدو البقاء ذاته إنجازا يوميا.
تكشف الأرقام عن مأساة تتجاوز حدود الوصف؛ إذ يشكل الأطفال والنساء أكثر من 60% من ضحايا الحرب، في دلالة صارخة على طبيعة الاستهداف الذي لا يكتفي بإزهاق الأرواح، بل يمتد ليطال بنية المجتمع ومستقبله. إن قتل الطفولة ليس حدثا عابرا في سياق الحرب، بل هو فعل منهجي يعيد تشكيل الزمن الفلسطيني، ويقطع استمراريته عبر استهداف أكثر حلقاته هشاشة وبراءة.
تالا، الطفلة ذات الأعوام العشرة، لم تعد تعرف من الطفولة سوى اسمها. تجلس أمام خيمتها المهترئة، تغسل ملابس أسرتها بيدين صغيرتين أنهكهما الماء البارد والمسؤولية الثقيلة.
وسط هذا الخراب، تتجسد الحكاية في تفاصيل صغيرة لكنها موجعة. تالا، الطفلة ذات الأعوام العشرة، لم تعد تعرف من الطفولة سوى اسمها. تجلس أمام خيمتها المهترئة، تغسل ملابس أسرتها بيدين صغيرتين أنهكهما الماء البارد والمسؤولية الثقيلة. حلمها بأن تصبح طبيبة يتلاشى شيئا فشيئا، لا بفعل الفشل، بل بفعل واقع لا يتيح للحلم أن ينمو. في عالمها، المدرسة ذكرى بعيدة، واللعب ترف مؤجل، والجوع رفيق دائم.
ولا تختلف حكاية مالك كثيرا، الطفل الذي وجد نفسه فجأة في موقع المعيل. بعربة صنعها بيديه، يجوب الطرقات بحثا عن الماء أو فرصة عمل بسيطة، حاملا على كتفيه ما لا تحتمله الأعمار الغضة. هنا، لا تُقاس الطفولة بالسنوات، بل بحجم الفقد، ولا يُقاس النضج بالتجارب، بل بكمّ المسؤوليات المفروضة قسرا.
أما محمود، الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة، فيختصر المأساة بعبارة تقشعر لها القلوب: "الموت أفضل من هذه الحياة". ليست هذه جملة عابرة، بل شهادة مكثفة على انهيار المعنى لدى جيل نشأ في ظل الخوف المستمر. حلمه لم يكن كبيرا؛ غرفة بأربعة جدران تقيه برد الشتاء وحر الصيف. غير أن حتى هذا الحلم البسيط بات بعيد المنال في واقع تُدمر فيه البيوت كما تُدمر الأحلام.

تتجاوز الكارثة حدود القتل المباشر لتشمل أشكالا أخرى من الإبادة الصامتة؛ التجويع، الحرمان من الماء، انهيار النظام الصحي، وتدمير البنية التعليمية. أكثر من 90% من المنشآت التعليمية تعرضت للتدمير أو التحويل إلى مراكز إيواء، ما يعني أن جيلا كاملا يُدفع خارج مسار التعلم، ويُلقى به في فراغ معرفي ونفسي خطير. ومع ارتفاع عدد الأيتام إلى نحو 85 ألف طفل، تتسع دائرة الفقد لتشمل ليس فقط الأفراد، بل منظومة الرعاية والتنشئة بأكملها.
على المستوى النفسي، تبدو الآثار أكثر عمقا وتعقيدا. فالأطفال الذين نجوا بأجسادهم، لم ينجوا بسلامهم الداخلي. القلق، الكوابيس، العزلة، واضطرابات السلوك، كلها مؤشرات على جرح نفسي مفتوح قد يستمر لعقود. ومع حاجة نحو مليون طفل إلى دعم نفسي واجتماعي، تتكشف أبعاد كارثة لا تُقاس فقط بعدد الضحايا، بل بامتدادها الزمني وتأثيرها على مستقبل مجتمع بأسره.
في يوم خُصص للاحتفاء بالطفولة، يقف أطفال غزة على الضفة الأخرى من العالم، لا يطلبون أكثر من حقهم في حياة عادية.
إن ما يجري في غزة ليس مجرد حرب تقليدية، بل عملية تفكيك ممنهجة لأسس الحياة، تستهدف الإنسان في بدايات تشكّله. وفي قلب هذه العملية، يقف الأطفال بوصفهم الضحية الأوضح، والأكثر تعبيرا عن فداحة المشهد. فحين تُسلب الطفولة من أطفالها، لا يُختطف الحاضر فحسب، بل يُعاد تشكيل المستقبل على صورة الخراب.
في يوم خُصص للاحتفاء بالطفولة، يقف أطفال غزة على الضفة الأخرى من العالم، لا يطلبون أكثر من حقهم في حياة عادية. لكن بين هذا الحق وواقعهم، مسافة تُقاس بالدم والدمار، وتختصر مأساة جيل يُولد كل يوم من جديد، لا في حضن الأمان، بل في قلب العاصفة.