تشريع القتل في سجون الاحتلال: قانون إعدام الأسرى
1 أبريل 2026
في الزنزانة الضيقة، حيث يتكئ الليل على جدران باردة لا تسمع سوى صدى الأنفاس، يقف الأسير الفلسطيني على حافة انتظار طويل؛ لا يدري أهو انتظار الحرية أم انتظار الموت. هناك، في ذلك الفراغ الثقيل، تتحول الدقائق إلى أعمار، ويغدو الباب الحديدي فاصلا بين عالمين: عالم ما زال يتنفس، وآخر يُعاد تشكيله بقوانين تُكتب بعيدا عن وجع أصحابها. وبينما كانت الأرض تُستعاد في الذاكرة الفلسطينية بوصفها حكاية وجود لا تنتهي، كان قانون جديد يُقرّ في الغرف المغلقة، ليعيد تعريف الحياة والموت بميزان مختل.
إقرار الكنيست الإسرائيلي للتعديلات الجديدة على قانون الإعدام، بالقراءتين الثانية والثالثة، لا يمثل استحداثا لعقوبة غير موجودة، بل إعادة تشكيل عميقة لشروط استخدامها وآليات تفعيلها. فعقوبة الإعدام، وإن ظلت كامنة في البنية القانونية الإسرائيلية منذ عقود، كانت محاطة بسلسلة من القيود الإجرائية التي جعلت تطبيقها بالغ الندرة، إلى حدّ أنها بدت أقرب إلى النص المعطّل. غير أن التصويت الأخير، الذي حظي بأغلبية 62 عضوا مقابل 48، أزاح جزءا كبيرا من هذه القيود، وأعاد إدخال العقوبة إلى حيز الإمكان العملي.

المقترح الذي تقدّم به نواب من اليمين، وبدفع من تيارات يقودها إيتمار بن غفير، يقوم على فرض الإعدام كعقوبة أساسية في حالات العمل مقاوم، مع حصر إمكانية استبداله بالسجن المؤبد في نطاق ضيق للغاية. وبذلك، لا يوسّع القانون دائرة العقوبة فحسب، بل يعيد ترتيب سلمها، بحيث يغدو الإعدام هو الأصل، لا الاستثناء.
الأثر الأكثر عمقا لهذه التعديلات يكمن في تفكيك الضمانات التي كانت تعيق الوصول إلى الحكم وتنفيذه. فلم يعد إصدار حكم الإعدام مشروطا بطلب من النيابة العامة، ولا بتشكيل هيئة قضائية خاصة، ولا بإجماع القضاة كما كان معمولا به سابقا. كذلك، جرى تقليص إمكانيات الطعن والتخفيف، إذ لا يملك القائد العسكري صلاحية استبدال الحكم أو العفو عنه، ما يجعل مسار الحكم أكثر انغلاقا وأقرب إلى الحسم النهائي. حتى آليات الاستئناف، إن وُجدت، لم تعد تتطلب إجماعا، بل تكتفي بالأغلبية، وهو ما يخفّض العتبة الإجرائية التي كانت تحول دون تثبيت الحكم.
وعلى مستوى البنية القانونية، ينص التعديل على إعادة صياغة مواد في قانون العقوبات، بحيث يُحصر الحكم في حالتين: الإعدام أو السجن المؤبد، لكل من يتسبب في وفاة شخص ضمن سياق يُفسَّر على أنه "إنكار لوجود الدولة"، بحسب ما ورد في نص القانون المزعوم. كما يُلغي القانون عمليا قدرة الحكومة على إصدار قرارات إفراج في القضايا التي تندرج ضمن هذا الإطار، بما يغلق الباب أمام أي تسويات سياسية أو صفقات تبادل محتملة، ويجعل الحكم جزءا من مسار قضائي مغلق لا يتقاطع مع القرار السياسي إلا في حدود ضيقة.
يربط القانون العقوبة بالفعل المرتبط بتوصيف العمل المقاوم، وهو توصيف واسع يتيح إدخال طيف متنوع من القضايا ضمن هذا الإطار.
أما من حيث التنفيذ، فقد جرى تحديد آلية واضحة تقوم على الإعدام شنقا خلال مدة لا تتجاوز 90 يوما من صدور الحكم النهائي، مع إمكانية تأجيل محدودة بطلب من رئيس الحكومة لا تتجاوز في مجموعها 180 يوما. وتُنفّذ العملية ضمن إجراءات سرية، يرافقها عزل تام للمحكوم، وتقييد صارم لحقوقه، في سياق يُحوّل التنفيذ إلى عملية مؤسسية مغلقة، محاطة بالحماية القانونية الكاملة لمنفذيها.
في نطاق التطبيق، يربط القانون العقوبة بالفعل المرتبط بتوصيف العمل المقاوم، وهو توصيف واسع يتيح إدخال طيف متنوع من القضايا ضمن هذا الإطار. كما يمتد تطبيقه إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، عبر مسارين قضائيين: المحاكم العسكرية في الأراضي المحتلة عام 1967، حيث يُصبح الإعدام عقوبة إلزامية مع هامش ضيق جدا للتخفيف، والمحاكم المدنية داخل إسرائيل التي تتيح الخيار بين الإعدام أو السجن المؤبد. وتشير التقديرات إلى أن مئات القضايا القائمة قد تجد نفسها ضمن هذا المسار الجديد فور دخول القانون حيّز التنفيذ، وإن كان لن يُطبّق بأثر رجعي على القضايا السابقة.

وفي هذا السياق، يرى بعض أعضاء الكنيست، أن القانون لا يستند إلى أساس مهني يثبت فعاليته في الردع، فضلا عن كونه يقيّد قدرة الحكومة على المناورة في ملفات حساسة، كملف تبادل الأسرى، ويُدخل عناصر جديدة من التعقيد على المستويين القانوني والسياسي. في المقابل، يبرر مؤيدو القانون هذه التعديلات بكونها استجابة لفشل العقوبات السابقة في تحقيق الردع، معتبرين أن الإعدام، بصيغته الجديدة، يشكل أداة أكثر حسما في مواجهة ما يدعون أنه "تهديدا أمنيا".
ورغم استكمال المسار التشريعي داخل الكنيست، فإن القانون لا يزال مفتوحا على اختبار قانوني أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، حيث أعلنت مؤسسات حقوقية، بينها "هموكيد"، عزمها الطعن في دستوريته. هذا المسار قد يؤخر دخوله حيز التنفيذ أو يفرض عليه تعديلات.
بنية قانونية تحتفظ بعقوبة الإعدام، لكنها كانت مؤجلة بشروط معقدة، قبل أن تُعاد صياغتها لتصبح أقرب إلى التنفيذ.
غير أن ما يتجاوز كل ذلك هو دلالة التوقيت والسياق. فالقانون لا يأتي في فراغ، بل في لحظة سياسية مشبعة بالصراع، حيث يُعاد إنتاج أدوات السيطرة بأشكال أكثر مباشرة. لم يعد القتل محصورا في الميدان، بل صار يجد له مسارا قانونيا موازيا، يضفي عليه طابعا رسميا، ويُدخله ضمن منظومة الإجراءات.
في المحصلة، لا يضيف هذا القانون جديدا بقدر ما يكشف عمّا كان كامنا: بنية قانونية تحتفظ بعقوبة الإعدام، لكنها كانت مؤجلة بشروط معقدة، قبل أن تُعاد صياغتها لتصبح أقرب إلى التنفيذ. ما تغيّر هو الإيقاع، هو السرعة التي يمكن أن ينتقل بها الحكم من ورق المحكمة إلى جسد الأسير.
وهنا، في تلك الزنزانة الأولى، يتكثف المعنى كله. لم يعد الانتظار مفتوحا كما كان، ولم تعد النهاية بعيدة كما كانت. القانون، بصيغته الجديدة، لا يكتفي بالحكم، بل يسرّع الوصول إليه، ويعيد رسم المسافة بين الحياة والموت، لتصبح أقصر، وأكثر قسوة.