يوم الأرض: انتفاضة البقاء في وجه اقتلاع المكان
30 مارس 2026
في صباح ثقيل من آذار، كان خضر خلايلة يطلّ من نافذة منزله في سخنين، ليراقب لحظة انفجار مكبوتة في صدور الناس. صمتٌ متوتر يتخلله هديرُ الآليات العسكرية وصدى خطوات تتسلل إلى الأزقة. الشوارع التي كُبلت بقرار منع التجوّل كانت تمور بالغضب، والوجوه التي اعتادت الصمت خرجت لتكسر خوفها. وحين سمع خضر صرخة جارته المصابة، خرج كما يخرج الإنسان حين يستدعيه الواجب لا الخيار. هناك، على مقربة من بيته، سقط برصاصة في الرأس، وسقط معه وهم طويل بأن الأرض يمكن أن تُؤخذ بلا مقاومة.
لم يكن يوم الثلاثين من مارس/آذار 1976 مجرد لحظة احتجاج عابرة، بل كان انفجارًا تاريخيًا أعاد تشكيل وعي الفلسطينيين في أراضي عام 1948. فالقرار الإسرائيلي بمصادرة نحو 20 ألف دونم من أراضي الجليل لم يكن إجراء إداريا كما حاولت السلطات تصويره، بل كان حلقة في مشروع أوسع لتهويد المكان وتغيير بنيته الديموغرافية. تحت لافتة "تطوير الجليل"، جرى السعي إلى تقليص الوجود العربي وتحويله إلى أقلية هامشية في أرضه.
غير أن ما لم تحسبه المؤسسة الإسرائيلية آنذاك هو أن الأرض، في الوعي الفلسطيني، ليست مجرد ملكية قابلة للمصادرة، بل امتداد للهوية والكرامة والتاريخ. لذلك جاء الإضراب العام الذي دعت إليه لجنة الدفاع عن الأراضي تعبيرا جماعيا عن هذا الوعي، وتحول بسرعة إلى فعل مقاومة شامل. لم يكن الإضراب قرار نخب سياسية فحسب، بل كان خيار شعب بأكمله، كما عبّر عن ذلك توفيق زيّاد بقوله: "الشعب قرر الإضراب.. ونحن مع الشعب"، وهي عبارة تجاوزت سياقها لتصبح شعارا لمرحلة كاملة.
واجه الاحتلال هذا الحراك بقوة مفرطة، فاقتحم القرى، وفرض منع التجول، وأطلق الرصاص على المتظاهرين. لكن القمع لم ينجح في إخماد الاحتجاج، بل أسهم في تصعيده. فاستشهاد خير محمد ياسين في عرابة، ثم خضر خلايلة ورفاقه في سخنين، لم يكن نهاية المواجهة، بل لحظة اشتعالها الأكبر. لقد تحولت الدماء التي سالت في ذلك اليوم إلى قوة دفع أعادت صياغة وعي الفلسطينيين في الداخل، ورسّخت قناعة بأن الدفاع عن الأرض ليس خيارا مؤجلا، بل ضرورة وجودية.
تكمن أهمية يوم الأرض في كونه أول مواجهة جماعية بهذا الحجم بين فلسطينيي الداخل والسلطة الإسرائيلية منذ النكبة. فقد كسر هذا الحدث حالة العزلة التي فُرضت عليهم، وأعادهم إلى قلب الفعل الوطني الفلسطيني. كما أنه أسهم في بلورة هوية سياسية جديدة، ترى في الفلسطينيين داخل الخط الأخضر أقلية تمتلك إرادة الفعل والتأثير، لا مجرد جماعة مندمجة في واقع مفروض.
كما أن يوم الأرض كشف الطبيعة البنيوية للصراع، بوصفه صراعا على الأرض بالدرجة الأولى. فسياسات المصادرة التي اعتمدتها إسرائيل، سواء عبر القوانين الموروثة من الانتداب البريطاني أو التشريعات الجديدة، لم تكن سوى أدوات لإعادة توزيع المكان لصالح مشروع استيطاني. وقد مثّلت هذه السياسات أحد أبرز أشكال التمييز، ودافعا رئيسيا لتشكيل حركات وتنظيمات مقاومة سعت إلى وقف هذا النزيف المستمر في ملكية الأرض.
ورغم مرور عقود على تلك الأحداث، فإن دلالاتها لا تزال حاضرة بقوة. فالأرض ما زالت محور الصراع، ومحاولات السيطرة عليها لم تتوقف، سواء في الجليل أو في الضفة الغربية أو في القدس. غير أن ما رسخه "يوم الأرض" هو معادلة جديدة تثبت أن كل محاولة للمصادرة ستقابلها مقاومة، وأن الوعي الجمعي الذي تشكل في ذلك اليوم لم يعد قابلا للتراجع.
لقد تحوّل "يوم الأرض" إلى أكثر من ذكرى؛ صار رمزا متجددا للثبات والانتماء، ومصدر إلهام للأجيال اللاحقة. في كل عام، يعود الفلسطينيون إلى تلك اللحظة لا ليستذكروا الشهداء فحسب، بل ليجددوا العهد مع الأرض التي حاولت السياسات اقتلاعهم منها. وفي هذا الاستحضار، تتجدد أيضا كلمات توفيق زيّاد التي تحولت إلى نشيد مقاومة: "هنا على صدوركم باقون"، كإعلان دائم بأن العلاقة بين الفلسطيني وأرضه ليست قابلة للكسر.
وهكذا، فإن "يوم الأرض" لم يكن مجرد احتجاج على قرار مصادرة، بل كان إعلانا صريحا عن معادلة البقاء. معادلة تقول إن الأرض ليست موضوع صراع فحسب، بل هي جوهره، وأن من يدافع عنها إنما يدافع عن وجوده ذاته.