عزلة محكمة: الأسيرات في ظل قانون الطوارئ
26 مارس 2026
هناك في الزنازين البعيدة عن الضوء، حيث تتقاطع العتمة مع الصمت، تمضي الأسيرات الفلسطينيات ساعاتهن داخل زنازين مغلقة لا يصلها من العالم سوى شذرات بعيدة. في السجن، الزمن لا يقاس بالساعات، بل بدرجة العزلة التي تتكثف مع كل باب يُغلق، ومع كل نافذة تُحجب. في هذا الفضاء الضيق، تتداخل تفاصيل الحياة اليومية مع إحساس دائم بالانقطاع، حيث تغيب الأخبار، وتبهت ملامح الخارج، ويصبح الانتظار هو الإيقاع الوحيد الممكن.
في ظل التطورات الأخيرة، تعمّق هذا الانقطاع إلى حد غير مسبوق. فقد أدت الإجراءات التي فرضتها مصلحة السجون الإسرائيلية مع اندلاع الحرب إلى تعليق زيارات المحامين، إلى جانب القيود المفروضة مسبقا على زيارات العائلات والجهات الدولية. وبذلك انقطعت القنوات التي كانت تصل الأسيرات بالعالم، وتراجعت إمكانية نقل ما يجري داخل السجون إلى خارجها. هذا التحول جعل الفضاء السجني أكثر انغلاقا، وأضعف آليات الرقابة التي كانت تعتمد أساسا على الزيارات القانونية بوصفها وسيلة أساسية للاطلاع والتوثيق.
تكتسب زيارات المحامين في هذا السياق أهمية خاصة، إذ تتيح متابعة القضايا القانونية، وتنقل شهادات الأسيرات حول ظروف احتجازهن، وتوفر حدا أدنى من الحضور الخارجي داخل السجن. ومع غياب هذه الزيارات، تتراجع القدرة على رصد الانتهاكات، ويغدو توثيقها أمرا أكثر صعوبة، ما يفتح المجال لتفاقم ممارسات لا تجد من يتابعها أو ينقلها.
تشير الإفادات الواردة من داخل السجون إلى تدهور واضح في شروط الحياة اليومية. فالغذاء المقدم يفتقر إلى القيمة الغذائية الكافية، ولا يوفر التنوع الضروري للحفاظ على الصحة، ما أدى إلى فقدان ملحوظ في الوزن بين الأسيرات. هذا التراجع لا يقابله تدخل طبي ملائم، حيث تغيب المتابعة الغذائية المتخصصة، ولا تُقدّم خطط علاجية تعالج أسباب التدهور الصحي. في المقابل، تُفرض إجراءات رقابية مشددة، تصل إلى حد المراقبة المستمرة داخل الزنازين، بما يترك أثرا مباشرا على الخصوصية والكرامة.
تنعكس هذه السياسات أيضا على البيئة المادية للاحتجاز. الزنازين، وفق الشهادات، ضيقة ورطبة، وتعاني من ضعف التهوية، ما يجعل الهواء داخلها ثقيلا، ويزيد من الإحساس بالاختناق. ومع ارتفاع أعداد الأسيرات، يتفاقم الاكتظاظ، فتُستخدم المساحات المتاحة إلى أقصى حد، وتُجبر بعض الأسيرات على النوم على الأرض. هذا الواقع يحدّ من القدرة على تنظيم الحياة اليومية، ويجعل أبسط الأنشطة، مثل ترتيب الأغراض أو إيجاد مساحة للراحة، تحديا مستمرا.
كما تبرز مسألة الخصوصية بوصفها أحد أكثر الجوانب تأثرا بهذه الظروف. وجود كاميرات مراقبة داخل الزنازين، بعضها موجه نحو مرافق الاستحمام، يفرض واقعا قاسيا على الأسيرات، حيث تصبح الممارسات اليومية المرتبطة بالنظافة الشخصية محاطة بإحساس دائم بالمراقبة. هذا الوضع يدفع كثيرات إلى تقليص استخدام هذه المرافق، ما ينعكس على صحتهن الجسدية والنفسية.
تتكرر أيضا عمليات التفتيش المفاجئة داخل الأقسام، وغالبا ما تُنفذ بطريقة تُحدث فوضى في محتويات الزنازين، وتُخرج الأسيرات إلى البرد لفترات متفاوتة. كما سُجلت حالات لاستخدام مواد غازية داخل أماكن مغلقة، الأمر الذي يثير مخاوف صحية في بيئة تعاني أصلا من ضعف التهوية. هذه الممارسات تُبقي حالة التوتر قائمة، وتؤثر على الإحساس بالأمان داخل السجن.
في موازاة ذلك، يعكس الاكتظاظ المتزايد ضغطا مستمرا على البنية التحتية للسجون. فقد ارتفعت أعداد المعتقلين الفلسطينيين خلال الفترة الأخيرة بشكل كبير، ما أدى إلى تحميل المرافق القائمة أكثر مما تحتمل. هذا التوسع في الأعداد دون تحسين مواز في الخدمات ينعكس مباشرة على نوعية الحياة داخل السجون، ويزيد من حدة المشكلات القائمة.
ضمن هذا الإطار، تتداخل حالة الطوارئ مع الواقع اليومي للأسيرات، فتُفرض قيود إضافية على الحركة والأنشطة، ويُقلّص وقت الخروج إلى الساحة، وهو الوقت الوحيد الذي يسمح بالتعرض للهواء الطلق وضوء الشمس. ومع تقليص هذا الوقت، تتراجع فرص التفاعل الاجتماعي، ويزداد الإحساس بالعزلة داخل الزنازيم.
يؤدي غياب الزيارات القانونية إلى تعميق هذه العزلة، إذ تفقد الأسيرات وسيلة أساسية للتعبير عن أوضاعهن، أو متابعة شؤونهن القانونية، أو طلب الرعاية الطبية. كما تتراجع القدرة على إيصال الشكاوى أو متابعة تفاصيل الانتهاكات، ما يجعل كثيرا من الوقائع تبقى داخل السجن دون توثيق.
في المحصلة، تعكس أوضاع الأسيرات الفلسطينيات داخل السجون واقعا معقدا تتداخل فيه القيود القانونية مع الظروف المعيشية الصعبة، ضمن بيئة تزداد انغلاقا مع مرور الوقت. ومع استمرار هذه السياسات، يبقى توثيق ما يجري ونقله إلى الخارج مسألة أساسية، للحفاظ على حضور هذه القضية في الوعي العام، ولضمان عدم تحول المعاناة اليومية إلى واقع غير مرئي.