الضفة تحت الإغلاق: حين تُعاد صياغة الأرض بالعزل والعنف
26 مارس 2026
عند بوابة حديدية أُغلقت على عجل في مدخل قرية صغيرة، وقف رجل مسنّ يحدّق في الطريق التي اعتاد أن يسلكها كل صباح. لم يكن يحمل في يده سوى قلق ثقيل يتجاوز قدرته على الاحتمال: مريض ينتظر، وابن عالق خلف الحواجز، وقرية تُختصر فجأةً في مساحة مغلقة لا منفذ لها. لم يعد الإغلاق إجراء عسكريا عابرا، بل صار قيدا يوميا يعيد تعريف الحياة نفسها. خلف تلك البوابة، كانت الضفة الغربية بأكملها تُعاد صياغتها، لا كجغرافيا مفتوحة، بل كأرخبيل من العزلات المفروضة بالقوة.

في ظل التصعيد الإقليمي واتساع رقعة الحرب، تحوّلت الضفة الغربية إلى ساحة خاضعة لإغلاق شامل، لا يقتصر أثره على تقييد الحركة، بل يمتد ليعيد ترتيب موازين السيطرة على الأرض. فالإغلاق، في جوهره، ليس مجرد إجراء أمني، بل أداة لإعادة تشكيل المجال الحيوي للفلسطينيين، عبر تقطيع أوصال المدن والقرى، وفصلها عن بعضها البعض، وتحويل التنقل -وهو أبسط الحقوق- إلى مخاطرة يومية.
ضمن هذا الواقع، يبرز دور المستوطنين بوصفهم فاعلا ميدانيا يستثمر في لحظة الفراغ والانشغال الدولي. إذ تتحول الحرب الدائرة في الإقليم إلى نافذة زمنية تُتاح فيها إمكانية توسيع السيطرة على الأرض، تحت غطاء عسكري مباشر أو ضمني. فبينما يُقيد الفلسطينيون داخل قراهم، تُفتح الطرق أمام المستوطنين للتحرك بحرية، ما يخلق اختلالا صارخا في ميزان القوة، حيث تُستخدم القيود المفروضة على طرف لتعزيز قدرة الطرف الآخر على الفعل.
هذا الاختلال لا يتجلى فقط في حرية الحركة، بل في طبيعة الأفعال ذاتها. اقتلاع الأشجار، شق الطرق الاستيطانية، اقتحام المنازل، والاعتداء على السكان، كلها ممارسات تحمل طابعا منهجيا يتجاوز العنف العشوائي إلى ما يشبه إعادة هندسة المكان. فالطريق التي تُشق على حساب أراض زراعية، ليست مجرد ممر جديد، بل خطوة في مسار طويل لتثبيت واقع جغرافي جديد، تُصبح فيه القرى محاصرة ومهددة بالاقتلاع التدريجي.

في هذا السياق، يتداخل الدور العسكري مع الفعل الاستيطاني بشكل يصعب فصله. فوجود الجيش، سواء عبر فرض الإغلاق أو عبر التواجد الميداني أثناء الاعتداءات، يمنح هذه الممارسات غطاء يعزز من استمراريتها. وفي حالاتٍ عديدة، لا يكون التدخل العسكري لوقف العنف، بل لإدارته، أو حتى لإعادة توجيهه، عبر اعتقال الضحايا بدلا من المعتدين. هذا النمط يكرّس شعورا عميقا لدى السكان بأنهم يواجهون منظومة متكاملة، لا مجرد حوادث منفصلة.
النتيجة المباشرة لهذا الواقع هي تآكل الإحساس بالأمان، ليس فقط على المستوى الفردي، بل على مستوى الجماعة. فالقرى التي تُغلق مداخلها، وتُحاصر بمستوطنات أو بؤر استيطانية، تعيش حالة من القلق المستمر، حيث يمكن لأي احتكاك أن يتحول إلى مواجهة، وأي محاولة للدفاع عن الأرض إلى خطر على الحياة. ومع تعذر الوصول إلى الخدمات الأساسية، من علاج أو إمدادات غذائية، يصبح البقاء ذاته فعل مقاومة يومي.
ولا يقل البعد النفسي خطورة عن المادي. فالإغلاق الطويل، وتكرار الاعتداءات، وغياب المساءلة، كلها عوامل تخلق بيئة من الإجهاد المزمن، حيث يعيش السكان في حالة ترقب دائم، تتآكل فيها القدرة على التخطيط للمستقبل. إن الإحساس بأن كل شيء قابل للتغير في أي لحظة -الطريق، البيت، الأرض- يحوّل الحياة إلى حالة من اللايقين المستمر.
لا يمكن قراءة ما يحدث بوصفه مجرد تداعيات جانبية لصراع إقليمي أوسع، بل كجزء من دينامية تستغل تلك الصراعات لإعادة رسم الوقائع على الأرض.
في المحصلة، لا يمكن قراءة ما يحدث بوصفه مجرد تداعيات جانبية لصراع إقليمي أوسع، بل كجزء من دينامية تستغل تلك الصراعات لإعادة رسم الوقائع على الأرض. فالإغلاق، والعنف الاستيطاني، والتواطؤ أو الغطاء العسكري، كلها عناصر تتكامل لتنتج واقعا جديدا، تُدفع فيه المجتمعات الفلسطينية نحو مزيد من العزلة والهشاشة.
وهكذا، بينما تتجه أنظار العالم إلى ساحات بعيدة، تتشكل على هذه الأرض وقائع صامتة، لكنها عميقة الأثر. هناك، عند بوابة مغلقة في قرية منسية، لا تُقاس الحرب بعدد الصواريخ أو البيانات السياسية، بل بقدرة إنسان على عبور الطريق إلى بيته، أو إيصال مريض إلى مستشفى، أو ببساطة، البقاء في أرض تتآكل تحت قدميه بصمت.