على هامش الحرب: كيف تُحاصر غزة بالجوع والخوف
26 مارس 2026
في خيمة مهترئة عند أطراف ملعب اليرموك في مدينة غزة، استفاقت شروق دعواس على وقع خبر لا يشبه سواه: المعابر تُغلق، والأسواق على وشك أن تفرغ من الطعام. كان ذلك استدعاء لذاكرة الجوع، لذاكرة تعرفها غزة جيدا، حيث يتحول الخبر السياسي البعيد إلى تهديد مباشر على مائدة خاوية. خرجت دعواس إلى السوق، فوجدت الحشود تتدافع، والوجوه متجهمة، والأسعار ترتفع كأنها تستبق كارثة تعرف طريقها إلى الأجساد الهشة.

ليست هذه المفارقة مجرد صدفة عابرة، بل هي انعكاس لبنية سياسية واقتصادية تجعل من المناطق المحاصرة أكثر عرضة لارتدادات الصراعات الإقليمية. فعندما تُغلق المعابر، لا يُغلق باب حدودي فحسب، بل تُغلق دورة الحياة بأكملها: تتعثر الامدادات، تتقلص الكميات، وتشتعل الأسعار في سوق فقد توازنه منذ زمن.
في مثل هذا السياق، يصبح السوق مسرحا مكثفا للأزمة. الأسعار ترتفع لا لأن الندرة حتمية فقط، بل لأن الخوف نفسه يصبح جزءا من المعادلة. الاندفاع نحو التخزين، وانكماش العرض، واحتكار القليل المتبقي، كلها عناصر تعيد تشكيل العلاقة بين البائع والمشتري. لم يعد التبادل قائما على حاجة متوازنة، بل على توتر دائم بين قدرة شرائية تتآكل واحتياجات لا تحتمل التأجيل.
تمتد تداعيات الإغلاق إلى أكثر من 18 ألف مريض في غزة ينتظرون الإجلاء الطبي، بينهم نحو 4 آلاف طفل، حيث قد يعني كل تأخير تدهورا بطيئا ومؤلما أو حتى حكما بالموت.
غير أن الأثر الأكثر قسوة يتجلى في القطاع الصحي، حيث يتحول إغلاق المعابر إلى حكم بطيء على آلاف المرضى. في بيئة تعاني أصلا من نقص حاد في الموارد. وتمتد تداعيات الإغلاق إلى أكثر من 18 ألف مريض في غزة ينتظرون الإجلاء الطبي، بينهم نحو 4 آلاف طفل، حيث قد يعني كل تأخير تدهورا بطيئا ومؤلما أو حتى حكما بالموت. إن المرض في مثل هذه الظروف لا يُقاس بحدته الطبية فقط، بل بمدى ارتباطه بإمكانية العبور، وكأن النجاة أصبحت رهينة تصريح أو قرار إداري.

وفي موازاة ذلك، لا تنفصل الكلفة البشرية المباشرة عن هذا المشهد المركّب. فمنذ بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، قُتل 14 فلسطينيا في غزة، ما يرفع عدد الضحايا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر إلى 648. وفي ظل ما يُسمى "هدنة"، تظل الحياة قابلة للانطفاء في أي لحظة، وتظل الجغرافيا المفتوحة على القصف فضاء هشا لا يحمي ساكنيه.
تتكشف المعادلة القاسية: كلما اتسع الصراع، ضاقت مساحات الحياة في الأماكن الأضعف.
في هذا الإطار، لا تبدو الحرب حدثا منفصلا عن المكان، حتى وإن لم تندلع فيه مباشرة. فالمناطق المحاصرة، بحكم هشاشتها البنيوية، تصبح امتدادا غير مرئي لساحات الصراع، تدفع أثمانًا لا تُحتسب في خرائط المعارك، لكنها تُسجل بوضوح في حياة الناس اليومية. إن القدرة على التحكم في المعابر، وفي تدفق السلع والأفراد، تمنح الاحتلال وسيلة لإعادة توزيع كلفة الصراع على من هم خارج معادلاته المباشرة.
وهكذا، تتكشف معادلة قاسية: كلما اتسع الصراع، ضاقت مساحات الحياة في الأماكن الأضعف. لا يعود السؤال متعلقا فقط بمن يبدأ الحرب أو كيف تنتهي، بل بمن يتحمل أعباءها الصامتة. وفي ظل غياب ضماناتٍ حقيقية لاستمرار تدفق الغذاء والدواء، يظل السكان عالقين بين احتمالات مفتوحة على الجوع والمرض والخوف.