ذاكرة الفرح المؤجل: كيف تغيّر العيد في غزة
22 مارس 2026
في صباح رمضاني أخير، قبل أن يطلّ العيد بوجهه المعتاد، يجلس طفل على حافة الرصيف، لا ينتظر زينة تُعلّق ولا لعبة تُشترى، بل يحدّق في علبة بلاستيكية صغيرة، يفتحها ويغلقها كما لو أنّه يحاول أن يستعيد بها زمنا كاملا كان يفيض بالضحك. حوله، تتكئ خيام هشة على الريح، وتنساب خطوات المارّة مثقلة بما لا يُقال، بينما يبدو العيد، في هذا المكان، فكرة بعيدة لا تصل.
هكذا يأتي عيد الفطر إلى قطاع غزة، مثقلا بسنوات من الحرب والحصار والانهيار، حاملا معه ذاكرة مثخنة بالفقد، لا ملامح احتفال. فالأيام التي كانت تُختتم فيها مواسم الصيام ببهجة الأسواق وزيارات العائلات، تحوّلت إلى زمن مكسور الإيقاع، حيث تتراجع الطقوس أمام ضرورات البقاء، ويتقدّم القلق على الفرح، حتى يكاد العيد يُختزل إلى يومٍ عادي آخر في سلسلة الأيام الثقيلة.

تكشف التفاصيل الصغيرة، في هذا السياق، عن تحوّل عميق في بنية الحياة اليومية. فالطفل الذي كان ينتظر العيد ليختار لعبته بنفسه، بات يكتفي بما تقع عليه يده مصادفة على الرصيف. لم يعد اللعب فعلا منظّما أو مساحة للخيال، بل تحوّل إلى محاولة بدائية لملء الفراغ. إنّها لحظة انتقال قاسية من الطفولة بوصفها زمنا للدهشة، إلى الطفولة بوصفها تمرينا مبكّرا على التكيّف مع الخسارة.
ولا يقف هذا التحوّل عند حدود الأفراد، بل يمتد ليطال الفضاء الاجتماعي بأكمله. فالمخيّمات التي نشأت كحلول مؤقتة، تحوّلت إلى بيئة يومية مكتملة القسوة، حيث تتداخل أصوات الحياة الضرورية مع صمت داخلي ثقيل. الأطفال الذين اعتادوا أشكال اللعب المختلفة، باتوا يكتفون بحركات عشوائية في أزقة رملية، بعد أن تلاشت الأدوات والفضاءات التي كانت تمنح اللعب معناه. إنّ غياب الكرة أو الأرجوحة ليس تفصيلا عابرا، بل علامة على انكسار البيئة الحاضنة لنموّ الطفولة.
في موازاة ذلك، تعيد الأولويات الاقتصادية تشكيل معنى العيد نفسه. ففكرة شراء ملابس جديدة، أو إعداد حلويات تقليدية، أصبحت ترفا مؤجلا في ظل ارتفاع الأسعار وانهيار مصادر الدخل. لم تعد العائلات تقيس اقتراب العيد بعدد الأيام المتبقية، بل بقدرتها على تأمين الحد الأدنى من الطعام والماء. وهنا، يتقدّم الضروري على الرمزي، وتتراجع الطقوس أمام الحاجة، فيتحوّل العيد من مناسبة للاحتفال إلى اختبار إضافي لقدرة الصمود.
كما أنّ غياب الفضاءات العامة – من ملاعب ومنتزهات – يضيف طبقة أخرى من الفقد. فهذه الأماكن لم تكن مجرّد مواقع للترفيه، بل كانت تشكّل إطارا اجتماعيا تتكوّن فيه ذاكرة الطفولة الجماعية.
ويتجلّى هذا التحوّل بوضوح في مشاهد الحياة اليومية، حيث يقف الأطفال في طوابير المياه بدلا من مرافقة ذويهم إلى الأسواق. إنّ استبدال فستان العيد بدلو ماء ليس مجرّد تبديل في النشاط، بل إعادة صياغة كاملة لمعنى الانتظار نفسه. فبدلا من انتظار الفرح، ينتظر هؤلاء دورهم في تلبية حاجة أساسية، وكأنّ الزمن قد أُعيد ترتيبه وفق إيقاع الضرورة لا إيقاع المناسبة.
كما أنّ غياب الفضاءات العامة – من ملاعب ومنتزهات – يضيف طبقة أخرى من الفقد. فهذه الأماكن لم تكن مجرّد مواقع للترفيه، بل كانت تشكّل إطارا اجتماعيا تتكوّن فيه ذاكرة الطفولة الجماعية. ومع تدميرها، يفقد الأطفال ليس فقط أماكن اللعب، بل أيضا إمكانية الاجتماع حول تجربة مشتركة تُنتج الفرح. وهكذا، يصبح العيد بلا فضاء يحتضنه، وبلا زمن يميّزه عن غيره.

أما الأسواق، التي كانت في الماضي مرآة لبهجة العيد، فقد تحوّلت إلى فضاءاتٍ باهتة، تتركّز فيها الحركة حول الضروريات. يغيب الصخب المعتاد، وتتلاشى مظاهر الزينة، فيما يكتفي المتسوّقون بالسؤال عن الأسعار قبل أن يغادروا، محمّلين بإحساس مضاعف بالعجز. إنّها صورة مكثّفة للأزمة الاقتصادية التي لا تقتصر على الأرقام، بل تمتد إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية وأنماط الاستهلاك.
ولا يختلف حال البيوت، حيث تختفي روائح الكعك والمعمول التي كانت تُعلن قدوم العيد. فهذه الطقوس، بما تحمله من رمزية ودفء، لم تعد ممكنة في ظل ندرة المكوّنات وارتفاع كلفتها. ومع غيابها، يخسر العيد أحد أهم عناصره الحسية، ويتحوّل إلى ذكرى أكثر منه تجربة معاشة.
لا تقتصر آثار الحرب على الدمار المادي، بل تمتد إلى تفكيك البنية العاطفية والاجتماعية للحياة اليومية، خاصة لدى الأطفال.
في المحصّلة، لا تقتصر آثار الحرب على الدمار المادي، بل تمتد إلى تفكيك البنية العاطفية والاجتماعية للحياة اليومية، خاصة لدى الأطفال. فهؤلاء لا يواجهون فقط حرمانا ماديا، بل يعيشون أيضا فقدانا للبيئة التي تتيح لهم أن يكونوا أطفالا. إنّ العيد، في صورته الحالية، لم يعد مناسبة للفرح بقدر ما أصبح مرآة تعكس حجم الخسارة.
ومع ذلك، يبقى في التفاصيل الصغيرة ما يشير إلى قدرة الإنسان على الاحتمال. ففي تلك العلبة البلاستيكية التي تُفتح وتُغلق، وفي طوابير الماء التي تُدار بالصبر، تكمن محاولة صامتة لإعادة إنتاج معنى الحياة، ولو في حدوده الدنيا. لكنّ هذه المحاولات، مهما بلغت، تظلّ مؤقتة، بانتظار زمن يعود فيه العيد إلى وظيفته الأولى: أن يكون فسحة للفرح، لا شاهدا على الغياب.