كيف تعيد إسرائيل رسم خريطة الضفة؟
9 مارس 2026
مع انبلاج الفجر في قرى الضفة الغربية، يبدأ المشهد اليومي على إيقاع حياة تبدو عادية في ظاهرها: مزارع يتجه إلى أرضه، عائلة تفتح نوافذ بيتها على تلال تعرفها منذ أجيال، وأطفال يسلكون الطريق ذاته نحو المدرسة. غير أن هذه التفاصيل البسيطة تخفي خلفها واقعا سياسيا وقانونيا يتغير ببطء. فالأرض التي تُفلح، والطريق التي تُسلك، والبيت الذي يُفتح بابه صباحا، جميعها باتت محكومة بمنظومة قرارات وإجراءات تعيد تشكيل طبيعة السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية. وفي الأشهر الأخيرة تحديدا، بدا أن هذا التحول لم يعد مجرد تراكم بطيء للوقائع، بل اتخذ شكل خطوات متسارعة قد تدفع المشهد نحو مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم "الاحتلال المؤقت" إلى ما يشبه الضم الفعلي.

منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو السادسة عام 2022، تسارعت السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تعزيز السيطرة على الضفة الغربية. ورغم أن هذه التحولات جرت في معظمها بعيدا عن دائرة الضوء الدولية، فإن سلسلة قرارات حكومية صدرت مطلع شباط/فبراير أعادت القضية إلى واجهة النقاش، بعدما حذرت منظمات حقوقية إسرائيلية من أنها قد تُحدث تغييرا جذريا في الإطار القانوني الذي يحكم إدارة الأراضي في الضفة.
في قلب هذه القرارات يقف ملف الأرض، الذي ظل تاريخيا محور الصراع الأعمق في الضفة الغربية. فقد قررت الحكومة الإسرائيلية رفع السرية عن سجلات الأراضي في المناطق المحتلة، إلى جانب إلغاء قانون أردني كان يمنع بيع الأراضي للإسرائيليين أو للأجانب. وبذلك تُفتح أبواب سوق العقارات في الضفة الغربية أمام فاعلين جدد، في خطوة يرى منتقدوها أنها قد تسهل انتقال الأراضي إلى المستوطنين وتضعف قدرة الفلسطينيين على الحفاظ على حقوقهم القانونية فيها.
ولا تقف الإجراءات عند حدود الأرض وحدها. فالحكومة اتخذت أيضا خطوات لتوسيع نطاق تطبيق القوانين والإجراءات الإسرائيلية في مناطق يفترض أنها خاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية، ولا سيما في المنطقتين "أ" و"ب" وفق تقسيمات اتفاقية أوسلو.
الخطوة الثانية، وربما الأكثر تأثيرا على المدى الطويل، تمثلت في قرار استئناف عملية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية للمرة الأولى منذ عام 1967. هذه العملية، التي تبدو إدارية في ظاهرها، تحمل في جوهرها أبعادا سياسية وقانونية عميقة. فالتسجيل الرسمي للأراضي يحدد ما إذا كانت ملكية خاصة أم "أراضي دولة"، وهو تصنيف كانت إسرائيل قد استخدمته تاريخيا لتخصيص مساحات واسعة لصالح المستوطنات. وفي ظل سيطرة إسرائيلية كاملة على آليات التسجيل، يخشى كثيرون أن يؤدي هذا المسار إلى إعادة رسم خريطة الملكية في الضفة الغربية بشكل دائم.
ولا تقف الإجراءات عند حدود الأرض وحدها. فالحكومة اتخذت أيضا خطوات لتوسيع نطاق تطبيق القوانين والإجراءات الإسرائيلية في مناطق يفترض أنها خاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية، ولا سيما في المنطقتين "أ" و"ب" وفق تقسيمات اتفاقية أوسلو. ورغم أن الجيش الإسرائيلي نفذ طوال السنوات الماضية عمليات متكررة في هذه المناطق، فإن توسيع الصلاحيات الرسمية يضفي على هذه الممارسات طابعا مؤسسيا أكثر وضوحا.
في هذا السياق، يرى مسؤولون في منظمات حقوقية إسرائيلية، من بينها ييش دين، أن مجموع هذه الإجراءات يشكل ما يمكن وصفه بـ"الكتلة الحرجة" التي تدفع الوضع نحو واقع الضم، حتى في غياب إعلان رسمي بذلك. فبدلا من خطوة سياسية واحدة واضحة، يجري التغيير عبر سلسلة من القرارات القانونية والإدارية التي تعيد تشكيل بنية السيطرة تدريجيا.

هذا النمط من "الضم الزاحف" ليس جديدا في حد ذاته، لكنه اكتسب زخما أكبر في السنوات الأخيرة. فالحكومة الحالية تضم شخصيات سياسية تدافع صراحة عن فكرة فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية. ومن أبرزها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي تحدث مرارا عن ضرورة "إعادة النظام والإدارة" إلى ما يسميه "يهودا والسامرة"، في إشارة إلى الضفة الغربية.
ومع ذلك، فإن إعلان الضم بشكل رسمي يبدو حتى الآن خيارا غير مرجح. فمثل هذه الخطوة قد تثير ردود فعل دولية حادة وتضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع حلفائها. لذلك تميل الحكومة، وفق كثير من التحليلات، إلى اتباع استراتيجية التغيير التدريجي: تعديل القوانين، توسيع صلاحيات المؤسسات، وتعزيز الوقائع على الأرض من دون إعلان سياسي صريح.
بين قرارات حكومية تبدو بيروقراطية في ظاهرها وتحولات عميقة في جوهرها، تتشكل في الضفة الغربية معالم مرحلة جديدة.
على الأرض، تتقاطع هذه السياسات مع واقع آخر يتمثل في توسع البؤر الاستيطانية الزراعية وتصاعد عنف المستوطنين. فهذه البؤر، التي قد تبدأ أحيانا بعائلة أو عائلتين فقط، تستطيع عبر السيطرة على مساحات واسعة من المراعي والأراضي الزراعية فرض أمر واقع جديد. وفي ظل ضعف تطبيق القانون ضد اعتداءات المستوطنين، يصبح هذا التمدد الميداني مكملا للسياسات الحكومية التي تغير الإطار القانوني.
وهكذا، بين قرارات حكومية تبدو بيروقراطية في ظاهرها وتحولات عميقة في جوهرها، تتشكل في الضفة الغربية معالم مرحلة جديدة. مرحلة قد لا تُعلن بقرار واحد، ولا تبدأ بخطاب رسمي، لكنها تتقدم بصمت عبر ملفات الأراضي والخرائط والقوانين، لتعيد تعريف العلاقة بين الأرض وسكانها، وبين السلطة والواقع. وفي هذا الصمت البيروقراطي تحديدا، قد تكمن التحولات الأكثر عمقا في تاريخ الصراع.