الجدار الجديد في الأغوار: هندسة العزل وتكريس الضم
23 فبراير 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في ساعات الفجر الأولى، حين ينسحب الضباب عن سفوح جبل طمون، يمضي الرعاة نحو المراعي التي اعتادوها منذ طفولتهم. خطواتهم الثقيلة فوق التراب ليست مجرد حركة يومية لمن يبحث عن رزقه، بل فعل بقاء في جغرافيا تتآكل تدريجيا. هناك، حيث يمتد الأفق أخضر وهادئ، يتنفس الرعاة ما تبقى من حرية، تتقلص مساحتها مع كل مشروع جديد يغيّر ملامح الأرض. غير أن هذا المشهد البسيط، الذي تختلط فيه حياة الإنسان بإيقاع الطبيعة، بات مهددا بالانقطاع؛ إذ يلوح في الأفق جدار جديد يُراد له أن يعيد رسم الحدود داخل الضفة الغربية، ويحوّل غور الأردن إلى مساحة معزولة عن محيطها الفلسطيني.

يأتي مشروع الجدار ضمن خطة إسرائيلية أوسع تُعرف باسم "الخيط القرمزي"، تمتد على مئات الكيلومترات من الجولان المحتل حتى البحر الأحمر، وتُقدّم رسميا باعتبارها ضرورة أمنية تهدف إلى منع تهريب السلاح ومراقبة الحركة بين الحدود الشرقية وغور الأردن. إلا أن قراءة المشروع في سياقه الجغرافي والسياسي تكشف دلالات تتجاوز الخطاب الأمني، لتضعه ضمن سلسلة من الإجراءات التي تعيد تشكيل الواقع الديمغرافي والاقتصادي في المنطقة المصنفة "ج"، حيث تتكثف السياسات الرامية إلى تقليص الوجود الفلسطيني وتوسيع السيطرة الاستيطانية.
تكمن أهمية المنطقة المستهدفة في كونها واحدة من آخر المساحات المفتوحة التي يعتمد عليها المزارعون والرعاة الفلسطينيون، إذ تمتد فيها نحو 50 ألف دونم من الأراضي الزراعية والمراعي التي تشكل عماد النشاط الاقتصادي المحلي. ومع إقامة الحاجز، يُتوقع أن يُحرم الفلسطينيون من الوصول إلى هذه المساحات، وأن تُصادر أجزاء منها لصالح البناء العسكري والطرق الالتفافية، ما سيؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة ويهدد نمط حياة قائم على الزراعة وتربية المواشي. ويعزز ذلك أن غور الأردن يُعرف بـ"سلة غذاء الضفة الغربية"، الأمر الذي يجعل أي تغيير في بنيته الجغرافية ذا تأثير مباشر على الأمن الغذائي الفلسطيني.
لا يقف تأثير المشروع عند حدود الاقتصاد، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية والخدماتية للتجمعات الفلسطينية الواقعة شرق الجدار.
لا يقف تأثير المشروع عند حدود الاقتصاد، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية والخدماتية للتجمعات الفلسطينية الواقعة شرق الجدار. فالعزل المتوقع سيمنع مئات السكان من الوصول السلس إلى المدارس والعيادات وفرص العمل، وسيحوّل الحركة اليومية إلى مسار محكوم بالحواجز العسكرية وأوقات الانتظار الطويلة. كما ستُحاصر بعض التجمعات، مثل خربة "يرزا"، داخل سياج مع بوابة خاضعة لسيطرة الجيش، في صورة تُجسّد تحوّل المكان من فضاء معيش إلى مساحة مراقبة، حيث يصبح الدخول والخروج فعلا مشروطا بالإذن العسكري.

في المقابل، تتقاطع خطة الجدار مع مسار متصاعد لتوسيع النشاط الاستيطاني في المنطقة، بما يشمل إقامة مستوطنات جديدة وإعادة بناء مستوطنات أُخليت سابقا، إضافة إلى ربط البؤر الاستيطانية بشبكة طرق تخدم حركة المستوطنين وتعزز سيطرتهم على الأراضي المحيطة. وتشير شهادات ميدانية إلى أن أعمال شق الطرق ترافقها عمليات تهجير للتجمعات البدوية وإلحاق أضرار بالبنية الزراعية ومصادر المياه، ما يعكس نمطا من التغيير التدريجي الذي يُفضي إلى إضعاف القدرة الفلسطينية على البقاء في الأرض.
هذا التداخل بين البعد الأمني المعلن والواقع الميداني، يعيد طرح سؤال جوهري حول وظيفة الجدار: هل هو إجراء أمني محدود، أم أداة لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للضفة الغربية؟ فالفصل الجغرافي بين غور الأردن وبقية الضفة يرسخ واقعا يشبه "الكانتونات" المعزولة، حيث تتفتت المساحة الفلسطينية إلى وحدات منفصلة يصعب تواصلها اقتصاديا واجتماعيا. كما يمنح الجدار المستوطنين حرية حركة أوسع في المناطق الشرقية، ويتيح السيطرة على مساحات شاسعة ستبقى خلف الحاجز، ما يعزز ديناميات الضم الفعلي دون إعلان رسمي.
بين الطريق العسكري والسياج الحديدي والحاجز المتحرك، تتشكل منظومة متكاملة تعيد تعريف الحدود اليومية للحياة الفلسطينية، وتحوّل الجغرافيا إلى أداة تنظيم للوجود البشري.
ومن زاوية قانونية، يثير المشروع إشكاليات تتعلق بطبيعة الأراضي المصادرة وشفافية الإجراءات المتبعة، إذ يشير خبراء إلى أن جزءا كبيرا من الأراضي المتأثرة لم يُصنَّف كأراضي دولة، بل يقع ضمن مناطق تخضع إداريا للسلطة الفلسطينية. كما أن تأخر الإعلان عن أوامر المصادرة حرم السكان من فرصة الاعتراض المبكر، وهو ما يعكس فجوة بين المسار القانوني المعلن، وتأثيراته العملية على المجتمعات المحلية.
في المحصلة، يمكن قراءة الجدار باعتباره حلقة ضمن سلسلة من السياسات التي تعيد رسم العلاقة بين الفلسطيني والأرض. فبين الطريق العسكري والسياج الحديدي والحاجز المتحرك، تتشكل منظومة متكاملة تعيد تعريف الحدود اليومية للحياة الفلسطينية، وتحوّل الجغرافيا إلى أداة تنظيم للوجود البشري. وفي ظل هذا الواقع، يبقى المشهد الأول -رجل يسير بقطيعه نحو الجبل- أكثر من صورة إنسانية؛ إنه استعارة لمواجهة صامتة بين ذاكرة المكان ومشاريع تغييره، حيث يقف الإنسان محاطا بأسئلة البقاء، ويواصل السير فوق أرض تتقلص لكنها لا تفقد معناها.