زهرة خدرج… سيرة حبرٍ في زمن القيد
17 فبراير 2026
في بيت اعتاد أن يفتح نوافذه على الضوء، صار الليلُ زائرا ثقيلا. ليست هذه المرة الأولى التي يُطرق فيها الباب بعنف، ولا الأولى التي تُقتاد فيها الدكتورة زهرة وهيب عبد الفتاح خدرج إلى التحقيق. اعتُقلت سابقا، ومكثت عاما خلف القضبان، ثم أُفرج عنها، كأن الغياب هدنةٌ قصيرة في معركة لم تنته.
اعتُقلت زهرة سابقا ومكثت عاما كاملا خلف القضبان، قبل أن تُفرج سلطات الاحتلال عنها. ظنّ كثيرون أن عاما من الغياب كاف ليردع امرأة اختارت أن يكون قلمها موقفا، وأن تكون الثقافة جزءا من الفعل المقاوم. لكنها عادت إلى عملها ونشاطها كأنها تستأنف جملة لم تكتمل. لم تمضِ فترة طويلة حتى أُعيد اعتقالها مؤخرا برفقة ابنتها يقين؛ أُفرج عنها في اليوم ذاته، فيما بقيت الابنة رهن الاعتقال، في مشهد يكثّف وجع الأمومة ويجعل القيد يمتدّ خارج الجسد إلى القلب.

تعرف زهرة نفسها بأنها "كاتبة وروائية فلسطينية، صاحبة قلم مقاوم، مؤمنة بعدالة قضيتنا ومؤمنة بنصر الله". غير أن هذا التعريف الموجز يخفي مسارا أكاديميا ومهنيا طويلا. بدأت رحلتها ببكالوريوس التمريض من جامعة القدس أبو ديس عام 1994، ثم حصلت على دبلوم عال في القبالة من مستشفى المقاصد الإسلامية في القدس عام 1996، فدرجة الماجستير في العلوم البيئية من جامعة النجاح عام 2004، وصولا إلى الدكتوراه في التنمية البشرية عام 2014. في كل مرحلة، كانت تضيف لبنة جديدة في بناء رؤية ترى العلم خدمة للمجتمع، لا لقبا يُعلّق على الجدار.
لم تفصل بين المعرفة النظرية والتطبيق؛ كانت ترى أن الفكرة التي لا تلامس الناس تبقى ناقصة.
عملت مشرفة للصحة المدرسية في مديرية تربية قلقيلية، تتابع الطلبة وتقدّم حصص الإرشاد والتوعية، خاصة لطلبة الثانوية العامة، يوميا بلا انقطاع. وإلى جانب وظيفتها الرسمية، كانت مدرّبة في مجالات التنمية البشرية، متخصصة في لغة الجسد، تقدّم الدورات وورش العمل، وتكتب في تطوير الذات والقيادة. لم تفصل بين المعرفة النظرية والتطبيق؛ كانت ترى أن الفكرة التي لا تلامس الناس تبقى ناقصة.
أسست مركز "عصفور فلسطين الثقافي" ليكون مساحة للأطفال والشباب، يحتضن المواهب وينظم الفعاليات الثقافية، ويؤازر قضية الأسرى. لم يكن المركز مجرد مقرّ، بل مساحة أمل في مدينة صغيرة تتنازعها السياسة واليوميات الثقيلة. أُغلق المركز وصودرت مقتنياته دون قرار قضائي واضح، وفق ما أكدت عائلتها، لكن الإغلاق لم يُنهِ النشاط؛ انتقلت الفعاليات إلى الفضاء الرقمي، واستمر التواصل مع الجمهور، كأن الرسالة وجدت لنفسها طريقا آخر

منذ طفولتها، كان الكتاب رفيقها الأول. كانت تقول إن القراءة تجذبها "كمغناطيس شديد الجذب"، تنقلت بين قصص المغامرات وروايات الجيب، ثم ارتقت قراءاتها إلى كتب التراث والفكر والتفسير. لكل مرحلة عمرية قراءاتها الخاصة، كما كانت تصف، وهو ما انعكس على تنوع كتاباتها. كتبت عن المرأة وهمومها، عن الطفل ومشكلاته الجسدية والنفسية والتربوية، عن الشأن الوطني والسياسي، وعن البيئة التي مزجتها بالسياسة "بنكهة الوطن وعذاباته"، كما قالت.
صدر لها أكثر من أربعة عشر مؤلفا، بينها أربع روايات، من أبرزها "البرتقال المر" و"وطن بتوقيت التيه"، إضافة إلى كتب تنموية مثل "لغة الجسد وفنونها في عالم الأعمال" و"حتى تصبح قائدا" و"نساء عظيمات يصنعن التاريخ". كانت ترى في كتاب "نساء عظيمات" احتفاء بالمرأة صاحبة الهمة، وفي "وطن بتوقيت التيه" مرآةً لثقل الوطن على الكتف الفردي. أهدت بعض أعمالها إلى غزة المحاصرة، وأخرى إلى روح والدتها التي فقدتها بعد صراع مع المرض، في حدث ترك أثرا عميقا على لغتها ووجدانها.
ارتبطت زهرة بالمسجد الأقصى منذ طفولتها، إذ كان والدها يأخذها إليه في الأعياد والمناسبات، حتى ترسّخ حبه في وجدانها.
ارتبطت زهرة بالمسجد الأقصى منذ طفولتها، إذ كان والدها يأخذها إليه في الأعياد والمناسبات، حتى ترسّخ حبه في وجدانها. كانت ترى في الأقصى "عقيدة وانتماء"، وتذهب إليه رغم القيود والإغلاقات. هذا الارتباط لم يبق شأنا شخصيا، بل تحوّل إلى نشاط مرابط ومشاركة في الفعاليات، ما عرّضها للاعتقال والتحقيق والإبعاد عن القدس، والمنع من السفر.

لم تسلم من أشكال أخرى من التضييق؛ فقد تعرّض منزلها لإطلاق نار مباشر في حادثة أثارت صدمة في محيطها، كما أُغلق مركزها الثقافي، واستُدعيت للتحقيق مرارا. وفي اعتقالها الأخير، جرى اقتحام المنزل ومصادرة أجهزة إلكترونية قبل اقتيادها إلى التحقيق. تعاني زهرة من أمراض مزمنة، منها ارتفاع ضغط الدم والسكري وآلام في المعدة والعمود الفقري، ما يزيد القلق على صحتها في ظل ظروف الاعتقال القاسية التي تواجهها الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون، حيث تقبع عشرات النساء بين موقوفات ومعتقلات إداريا ومحكومات.
في شهادات من عرفوها، تتكرر كلمات مثل "السند" و"الصوت" و"الحضور". كانت تشارك في الفعاليات المناصرة للأسرى، وتؤازر عائلاتهم، رغم أنها لم يكن لديها أسير قريب أو بعيد، كما تقول إحدى الناشطات. ترك غيابها فراغا في المدينة، في المدارس، في الساحات التي اعتادت صوتها.
في شهادات من عرفوها، تتكرر كلمات مثل "السند" و"الصوت" و"الحضور". كانت تشارك في الفعاليات المناصرة للأسرى، وتؤازر عائلاتهم، رغم أنها لم يكن لديها أسير قريب أو بعيد، كما تقول إحدى الناشطات. ترك غيابها فراغا في المدينة، في المدارس، في الساحات التي اعتادت صوتها.
سيرة زهرة خدرج تقاطع بين أمومة مجروحة، وكتابة مشتعلة، وعلم يُراد له أن يخدم الناس، وإيمان يرى في الصمود شكلا من أشكال العبادة. بين اعتقال وإفراج، وبين مركز يُغلق وفكرة تواصل الحياة، تبقى صورتها أقرب إلى امرأة قررت أن تكون حاضرة، مهما كان الثمن. لأن بعض السير، حين تُكتب بالحبر والإيمان معا، لا تختصرها زنزانة.