ليلة "فتفوت".. لماذا يُخيف الضحك السجّان؟
14 فبراير 2026
في سجون الاحتلال الإسرائيلي، لا تُقاس السيطرة فقط بالأبواب الحديدية، ولا بالكاميرات المعلّقة في الممرات، ولا بعدد الجنود المنتشرين خلف الزوايا؛ فهناك تفاصيل أصغر، أدقّ، وأكثر إرباكا لمنظومة القمع. أحد هذه التفاصيل: الضحك.
بعد أيام قليلة من خروجي من التحقيق، الذي استمر أربعين يوما، نُقلت إلى قسم 15 في سجن عوفر. ظننت أن المرحلة الأقسى قد انتهت، وأن ما تبقّى ليس سوى روتين السجن الثقيل والرتيب. لكن تلك الليلة، التي ستُعرف لاحقا بين الأسرى بـ"ليلة فتفوت"، كشفت لي معنى آخر للسيطرة، ومعنى أعمق للضحك.
في ساعة متأخرة من الليل، دخل أحد السجّانين لإجراء العدّ. كنّا اثني عشر أسيرًا في الغرفة، وكان أحدنا في الحمّام. أصرّ السجّان على أن يخرج فورًا، أو أن نفتح الباب عليه بالقوة. حاولت الاعتراض، لا أكثر: هذا لا يجوز، ولا يصح. لكن في السجن، الاعتراض ليس رأيًا، بل خطأ يُعاقَب عليه.
نظر إليّ ببرود وقال: "بترد علي؟ هلّق بجيبلك فتفوت".
ابتسمت، ظنًّا مني أن "فتفوت" اسم كلب بوليسي، من تلك التي تستخدمها الإدارة في القمع والتنكيل. من دون كلمة واحدة، بدأ الأسرى بارتداء بنطال فوق بنطال، وقميص فوق قميص. سألتهم: "شو في؟"، فقال أحدهم، بهدوء من يعرف ما ينتظرنا: "هلّق بتشوف".
بعد دقائق فقط، فُتح الباب، ودخل ضابط ضخم الجثة، يرافقه أربعة عشر عنصرا، معظمهم ملثمون، مدججون بالدروع والهراوات. عندها فهمت: هذا هو "فتفوت".
كُبِّل الأسرى واحدا تلو الآخر، واقتيدوا إلى الدُشّات، وأُبقيتُ مع أسير آخر في زاوية الغرفة. ثم بدأ الضرب. هراوات تنهال، وركلات بلا حساب، وعنف أعمى لا يحتاج إلى سبب، سوى كسر الكلمة قبل الجسد. غطّيت رأسي وأدرت ظهري. كان الألم مباشرًا، فظًّا، بلا مقدمات. وفجأة… ضحكت. لم يكن الضحك تحدّيا، ولا شجاعة. جاء بلا تخطيط، ربما من شدّة المفارقة، أو لأن العقل يبحث عن نافذة حين تُغلق كل الأبواب. التفتُّ إلى الأسير بجانبي، نظر إليّ باستغراب وسأل: "مالك؟"
قلت له: "تذكّرت العم غافل بجملته المشهورة: هاتوه". فضحك هو الآخر. كنّا نضحك ونحن نتلقّى الضرب، ضحكًا مكتومًا، سريعًا، كأنه يخشى أن يُكتشف. فلو رآنا الجنود نضحك بوضوح، لربما أطلقوا النار. في السجن، حتى الضحك قد يُعدّ استفزازا.
في السجن، يُسمح للأسير أن يحزن؛ الحزن متوقَّع، بل مرغوب. الصمت مفهوم، والغضب يمكن احتواؤه، أو قمعه، أو معاقبته. أمّا الضحك، فشيء آخر تمامًا. الضحك يعني أن القهر لم ينجح بالكامل.
في السجن، يُسمح للأسير أن يحزن؛ الحزن متوقَّع، بل مرغوب. الصمت مفهوم، والغضب يمكن احتواؤه، أو قمعه، أو معاقبته. أمّا الضحك، فشيء آخر تمامًا. الضحك يعني أن القهر لم ينجح بالكامل. الضحك في السجن ليس فعلا عاديا؛ لا يأتي في وقته الطبيعي، ولا يُمارَس بحرية، ولا يُستقبل ببراءة. هو صوت نشاز في مكان صُمّم ليكون خاضعًا. لذلك، حين يضحك الأسير، ولو ضحكة قصيرة، يشعر السجّان بأن شيئًا ما خرج عن السيطرة.
في لحظات الضحك النادرة، يشعر الأسرى أن المكان يضيق أقلّ، وأن الزمن يتوقف قليلا، وأن الجدران -ولو وهميا- تتراجع خطوة إلى الخلف. هذا الإحساس تحديدا هو ما يُربك السجّان. فالضحك لا يمكن تفسيره أمنيا؛ لا يحمل شعارا، ولا يرفع قبضة، ولا يطالب بشيء، ومع ذلك يعلن، بصمت، أن الروح ما زالت حيّة.
غالبا ما يأتي السجّان بعد الضحك، يفتح الشباك الصغير في الباب، يحدّق في الوجوه، يبحث عن أثر الضحكة، عن بقايا "الجريمة". لا يسأل، ولا يعلّق. حضوره وحده رسالة واضحة: عودوا إلى الصمت.
الضحك ليس مقاومة صاخبة، ولا بطولة مُعلنة. هو فعل إنساني صغير، لكنه خطير في مكان يقوم على كسر الإنسان. تذكيرٌ بأن السيطرة قد تحاصر الجسد، لكنها لا تضمن إخضاع الروح.
لكن ما لا يدركه السجّان -أو يدركه ويخشاه- أن الضحك لا يُمحى بالصمت. يبقى أثره في النظرات المتبادلة، وفي الإحساس المشترك بأننا، ولو للحظة قصيرة، خرجنا عن الدور المفروض علينا. الضحك لا يغيّر الواقع، لكنه يفضحه. يقول ببساطة: رغم كل شيء، ما زلنا بشرا. لهذا يُخيف الضحك السجّان؛ لأنه لا يستطيع مصادرته بالكامل، ولا منعه دون أن يعترف بحدود قوته، ولا فهمه ضمن تعليماته.
الضحك ليس مقاومة صاخبة، ولا بطولة مُعلنة. هو فعل إنساني صغير، لكنه خطير في مكان يقوم على كسر الإنسان. تذكيرٌ بأن السيطرة قد تحاصر الجسد، لكنها لا تضمن إخضاع الروح. في السجن، لا يخاف السجّان من الصراخ؛ فالصراخ يمكن قمعه. أمّا الضحك، فهو سؤال مفتوح… والسجّان لا يحب الأسئلة.