خارج الزمان وداخل الزنازين.. أسرى معزولون عن العالم
14 فبراير 2026
أول ما يتحدث به المحامون حين يخرجون من غرفة الزيارة، أن رائحة الرطوبة سبقت الكلمات. لا عن نصوص قانونية، ولا مواد اتهام، بل عن جسد نحيل بالكاد يقف، وعن عينين تبحثان في وجهه عن خبر من العالم الخارجي. قال أحدهم إن موكّله لم يسأله عن مصيره، بل عن أمه: هل ما زالت تنتظره؟ وهل يعرف أحد أنه ما زال حيا؟ في تلك اللحظة، لم يكن السجن جدرانا وأسلاكا، بل فجوة عميقة بين إنسان معزول والعالم الذي نسيه، أو أُريد له أن ينساه.
في السنوات الأخيرة، لم تعد السجون مجرد أماكن احتجاز، بل تحولت -وفق شهادات محامين ومنظمات حقوقية- إلى فضاءات قاسية يتآكل فيها الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. الاكتظاظ الخانق، الحرمان من الاحتياجات الأساسية، القيود الصارمة على العلاج الطبي، والعنف المتكرر، كلها لم تعد روايات متفرقة، بل ملامح نظام كامل يعمل في الظل.

يقول محامون يمثلون معتقلين فلسطينيين إن ما تغيّر بعد السابع من أكتوبر لم يكن تفصيلا إداريا، بل تحوّلا جذريا في طبيعة الحياة داخل السجن. الزنازين التي كانت ضيقة صارت أضيق، والأجساد التي كانت متعبة صارت هزيلة حدّ الانكسار. أُعيد تعريف الضروريات على أنها "كماليات"، فصودرت الفرش والوسائد، وغابت الملابس النظيفة، وصار البرد شريكا يوميا في ليالي الشتاء. بعض المعتقلين ظلوا لأشهر بقطعة الملابس ذاتها، كأن الزمن توقف عند لحظة الاعتقال.
الطعام، أيضا، لم يعد مجرد وجبة شحيحة، بل صار عنوانا للجوع المقنّن. شهادات متقاطعة تحدثت عن حصص بالكاد تسد الرمق، وعن أجساد فقدت عشرات الكيلوغرامات خلال أشهر قليلة. أما الرعاية الطبية، فبدت في كثير من الحالات وعدا مؤجلا. توصيات الأطباء لا تجد طريقها إلى التنفيذ، والكسور تلتئم على خطأ، والأمراض المزمنة تتفاقم في صمت. في غياب العلاج، يتحول الألم إلى روتين، ويتحول الجسد إلى ساحة انتظار مفتوحة.
لم يعد الأمر مقتصرا على غرف التحقيق، بل امتد إلى لحظات العدّ الصباحي، وعمليات النقل بين السجون، وحتى الطريق إلى العيادة أو قاعة الزيارة.
غير أن التحول الأكثر إيلاما، بحسب روايات قانونيين، كان في تصاعد العنف حتى صار ممارسة شبه يومية. لم يعد الأمر مقتصرا على غرف التحقيق، بل امتد إلى لحظات العدّ الصباحي، وعمليات النقل بين السجون، وحتى الطريق إلى العيادة أو قاعة الزيارة. صار الخوف جزءا من تفاصيل اليوم، وصارت الشكوى مغامرة قد تُكلّف صاحبها المزيد من العقاب.
وسط هذا المشهد، برز عامل آخر ضاعف القسوة: العزل شبه الكامل عن العالم الخارجي. توقفت زيارات العائلات، وغابت هيئات المراقبة، وصار المحامون، لفترة طويلة، الصوت الوحيد الذي يمكن أن ينقل رسالة أو يطمئن قلبا قلقا. لكن حتى هذا الخيط الرفيع لم يسلم من التضييق. مواعيد الزيارات تُمنح بعد انتظار طويل، وساعات السفر والانتظار لا تقابلها إلا دقائق معدودة مع الموكل. وفي كثير من الأحيان، تُنتهك سرية اللقاء، فتُفتش الأوراق، وتُراقب الكلمات.
حين تُقدّم التماسات أمام المحاكم، تصطدم غالبا بحواجز إجرائية، أو تُحال إلى مسارات فردية تستنزف الوقت والطاقة. وهكذا، يتحول ما يبدو ظاهرة واسعة إلى قضايا متفرقة، تُعالج كل واحدة بمعزل عن الأخرى، فيما تبقى الصورة الكاملة خارج إطار الحكم.
المفارقة أن القانون، الذي يفترض أن يكون درعا، صار في نظر بعض المدافعين عن الحقوق إطارا شكليا لا يلامس جوهر المعاناة. نقابات مهنية وهيئات رقابية تملك، نظريا، صلاحيات التفتيش والمتابعة، لكنها لا تستخدمها بالقدر الكافي، أو تستخدمها متأخرة، بعد أن تكون الأجساد قد دفعت ثمن الانتظار.

غير أن القصة لا تنتهي عند حدود الزنزانة. آلاف المعتقلين الذين خرجوا خلال العامين الماضيين يحملون معهم آثارا لا تُرى بالعين المجردة: خوفا يتجدد في الليل، وألما جسديا يلازمهم، وذكريات تقتحم تفاصيل حياتهم اليومية. تمتد التجربة إلى العائلة، إلى الأم التي تنتظر خبرا، إلى الطفل الذي كبر على صورة غائبة، إلى مجتمع يتعلم، مرة أخرى، كيف يتعايش مع الفقد المؤجل.
قال محامي إنه لا يستطيع إنقاذ موكليه من مصيرهم، لم يكن يعلن استسلاما، بل يصف فجوة بين النص والواقع، بين ما يجب أن يكون وما هو كائن. في تلك الفجوة، تقف الكرامة الإنسانية معلّقة، تنتظر من يعيد وصل ما انقطع بين العدالة ومعناها. فالسؤال لم يعد فقط عن شروط الاحتجاز، بل عن حدود الصمت، وعن مسؤولية العالم حين تتحول الزنازين إلى أماكن لا يُسمع فيها إلا صدى الألم.