الأسير عبد الجبار جرار.. سيرة لا تصادرها الزنازين
11 فبراير 2026
ليس السجن جدرانا فقط، إنما اختبار مفتوح، يُعرّي المعنى، ويضع الإنسان مكشوفا أمام نفسه. هناك، حيث تضيق الأمكنة، تتّسع الحقيقة، ويُعرف الرجال بلا خطابات ولا شعارات. هنا، يتقدّم اسم عبد الجبار جرّار، لا بوصفه أسيرا عابرا في ذاكرة الاعتقال، بل باعتباره سيرة تمشي على مهل، مثقلة بالأوجاع، ومرفوعة الرأس.
عبد الجبار جرار واحد من أولئك الذين لم يصنعهم الألم، بل كشف معدنهم. جسد مثقل بالأوجاع، يحمل أمراضا مزمنة، وأعواما طويلة من الاعتقال والملاحقة، ومع ذلك ظلّ ثابتا، يتقدّم الصفوف، ويأبى الخضوع إلا لله، كأنما اختار منذ البداية أن يجعل من الثبات طريقا لا خيارا.
وُلد عبد الجبار عام 1966 في قرية الجديدة قضاء جنين، وتفتّح وعيه في بيت عامر بالالتزام. من مساجد القرية الأولى، إلى مقاعد الدراسة في نابلس والخليل، تشكّل مساره مبركا، وشقّ طريقه بهدوء. جمع بين العلم والدعوة وخدمة الناس، بإيمان لا يحتاج إلى استعراض، ومسار يعرف وجهته، إذ كان الطريق واضحا لديه، حتى حين صار وعرا.
لم تسلم العائلة من الاستهداف؛ اعتُقل الأبناء، واعتُقلت وفاء مرتين، كان آخرهما في أيار 2024، حين أُصيبت بانفجار عبوة أثناء نقلها في جيب عسكري. تدهورت حالتها الصحية على إثر الإصابة ودخلت في غيبوبة، ثم بُترت ساقاها بفعل الإهمال، حتى جاء خبر استشهاد رفيقة العمر، ثقيلا كما لا يُحتمل.
تزوّج عبد الجبار جرار من وفاء جرار في شباط 1990، فكانت رفيقة درب لا زوجة فحسب؛ ناشطة مجتمعية، ومؤسسة ومنسّقة "رابطة أهالي الشهداء والأسرى" في جنين، ومرشّحة للانتخابات التشريعية عام 2021 ضمن قائمة "القدس موعدنا". أنجبا أربعة أبناء: حذيفة، تقوى، أمجد، وزيتونة. ولم تسلم العائلة من الاستهداف؛ اعتُقل الأبناء، واعتُقلت وفاء مرتين، كان آخرهما في أيار 2024، حين أُصيبت بانفجار عبوة أثناء نقلها في جيب عسكري. تدهورت حالتها الصحية على إثر الإصابة ودخلت في غيبوبة، ثم بُترت ساقاها بفعل الإهمال، حتى جاء خبر استشهاد رفيقة العمر، ثقيلا كما لا يُحتمل.

عرفته جنين بائعَ عسل متجوّلا، بعبارته البسيطة ولهجته القريبة، يطرق الأبواب بابتسامة، ويمازح الناس بكلمته السيطة "عسلات نظاف". ثم عرفته معلما للتربية الإسلامية، قريبا من طلابه ومن الناس، قبل أن يعرفه السجن زائرا دائما. فمنذ عام 1990، توالت الاعتقالات اجتمعت في 13 عاما متفرقة، تخللها تحقيق طويل، أحكام، اعتقال إداري، تنقّل بين السجون، وحرمان متكرر من العائلة. ذاق قسوة الاحتلال، ثم ذاق قسوة الاعتقال في سجون ذوي القربى، فصار السجن تجربة مزدوجة، لا تُختصر بجغرافيا واحدة. ومع ذلك، عاد كل مرة إلى حياته البسيطة: إلى التدريس، وإلى عربة العسل.
حمل عبد الجبار أمراضا مزمنة؛ ضغط، سكري، آلام مفاصل، وأوجاع لا تُحصى. رأه من عرفه وهو يحمل كيس أدوية أثقل من طاقته، لكنه ظلّ يتقدّم الصفوف، رافضا أن يسمح للوجع أن يصير عنوانه. لم يكن استثنائيا لأنه لم يتألم، بل لأنه أبقى الألم في مكانه، ولم يمنحه سلطة على ثباته

لم تسلم عائلته من هذا الطريق. اعتُقل نجله الأكبر، وتلقّى من خلف القضبان خبر وفاة والدته، فاحتسب وصبر. كان الفقد يتوالى، لكنه لم يتحوّل يوما إلى انكسار. ثم جاء الامتحان الأثقل، حين تلقّى خبر إصابة زوجته وفاء جرار أثناء اعتقالها، وعلى إثرها بترت كلتا قدميها، ثم خبر استشهادها لاحقا، في اليوم الذي كان من المفترض أن يُفرَج عنه فيه. خبر لا يحتاج إلى بلاغة ليكون صاعقا. ومع ذلك، اختار عبد الجبار الثبات. وبدل أن يكون معزّى، صار هو المعزّي، يرفع معنويات من حوله، بكلمات قليلة، صادقة.
سيرة عبد الجبار جرّار ليست حكاية بطولة خارقة، ولا أسطورة صبر مُتخيّل، بل سيرة تُكتب لتُذكّر أن الرجال، حين تضيق بهم الجدران، تتّسع فيهم القيم، وأن الثبات، في أشد اللحظات قسوة، هو أعلى أشكال الحرية.
رغم قلة الطعام، ورغم جسد مثقل بالمرض، كان يتصدّق بنصف طعامه عن روح زوجته الشهيدة. فعل صغير في شكله، كبير في معناه، يختصر فلسفة رجل يرى في العطاء كرامة، وفي الصبر عبادة، وفي الطريق – مهما طال – معنى يستحق.
سيرة عبد الجبار جرّار ليست حكاية بطولة خارقة، ولا أسطورة صبر مُتخيّل، بل سيرة تُكتب لتُذكّر أن الرجال، حين تضيق بهم الجدران، تتّسع فيهم القيم، وأن الثبات، في أشد اللحظات قسوة، هو أعلى أشكال الحرية.