ليلة الهجوم المنظم.. مسافر يطا تحت نار المستوطنين
11 فبراير 2026
في تلك الليلة، لم يبدأ العنف بصوت الرصاص، بل بصوت نار تلتهم بابا مغلقا. بابٌ أُغلق ليحمي عائلة بلا بيت، فانقلب إلى فم يختنق بالدخان. طفلٌ يلهث، أمٌّ تصرخ، ورجلٌ يحاول أن يتذكّر إن كان هذا المكان يُسمّى بيتا أم انتظارا مؤقتا للمحو. في مسافر يطّا، لا تأتي الكارثة فجأة؛ إنها تمشي على مهل، تتفقد الطرق، وتعرف الأسماء، وتدخل القرى كما لو كانت تعرفها منذ زمن طويل.
ما جرى في مساء السابع والعشرين من كانون الثاني/يناير لم يكن "احتكاكا" عابرا، ولا "حادثة أمنية" كما يحبّ الخطاب الرسمي أن يسمّي الأشياء حين يريد إفراغها من معناها. كان هجوما منسّقا، متعدد النقاط، نفّذته مجموعات من المستوطنين، تحت مظلّة واضحة من حماية الجيش، وبمشاركة فعلية منه أحيانا. ثلاث قرى تعرّضت للهجوم في وقت واحد: الفخيت، التبان، والحلاوة. ثلاث قرى صغيرة، لكنها متصلة في الجغرافيا كما في المصير.

في تلك الساعات الخمس، كان المشهد يتكرر بتفاصيل مختلفة: مستوطنون يقتحمون، يسرقون الأغنام، يشعلون الحرائق، يضربون الأجساد، ثم يقفون جانبا بينما يقوم الجنود بما يلزم لإكمال المشهد: إغلاق الطرق، منع الإسعاف، مصادرة الهواتف، واعتقال الضحايا. لم يكن الفصل بين "مدني" و"عسكري" واضحا؛ بل بدا كأن الأدوار موزّعة بعناية داخل سيناريو واحد.
الهجوم لم يستهدف البيوت فقط، بل استهدف نمط حياة كامل. الأغنام هنا ليست "ممتلكات" فحسب، بل هي مصدر رزق، واستمرارية، وعلاقة يومية مع الأرض. سرقة نحو 300 رأس غنم من إحدى عشرة عائلة في قرية واحدة ليست حادثة جنائية، بل ضربة اقتصادية واجتماعية تهدف إلى دفع الناس خطوة أخرى نحو الرحيل.
الأجساد كانت ساحة أخرى للهجوم. رجال مسنّون يُضرَبون حتى السقوط، نساء يُقيّدن ويُعتقلن، أمهات حديثات الولادة يُسحبن من بيوتهن، وأطفال يشهدون كل ذلك من مسافة قريبة تكفي لتدمير الإحساس بالأمان إلى الأبد. العنف هنا لم يكن انفعالا، بل أداة. لم يكن ردّ فعل، بل رسالة: أن البقاء نفسه بات جريمة تحتاج إلى عقاب.
لكن أكثر ما يفضح طبيعة ما جرى، هو ما حدث للإسعاف. سيارة الإسعاف، الرمز الأخير للحياد الإنساني، تحوّلت إلى هدف. أُوقفت، مُنعت، حوصرت، وكادت تُقتحم. رجل ينزف على الأرض ساعة كاملة لأن الطريق "غير آمن". امرأة مسنّة مصابة بكسور تنتظر لأن الجنود يقرّرون أن الوقت ليس مناسبا. هنا، لا يعود السؤال: من المعتدي؟ بل: أي منظومة تسمح بأن يصبح إنقاذ الحياة تفصيلا قابلا للتأجيل؟
ما يتراكم هنا ليس فقط عدد الاعتداءات، بل نموذجها: عنف استيطاني يعمل بوصفه ذراعا غير رسمية للسيطرة، فيما يتكفّل الجيش بتوفير الغطاء القانوني والميداني.
في الحلاوة، حيث بدأ الهجوم وانتهى، تتجلّى الصورة بأوضح أشكالها. مستوطن يدخل بمواشيه ليستفزّ، ثم يستدعي التعزيزات. جرّافات، مركبات، أسلحة، وجنود. حين يحاول السكان الدفاع عن ما تبقّى لهم، يُوصمون بالمعتدين. وحين تُسرق مواشيهم أمام أعينهم، يُطلب منهم الصمت.
اللافت أن هذا العنف، على شدّته، ليس استثناء. الليلة التي سبقت الهجوم، شهدت قطع مئات أشجار الزيتون في واد قريب، في فعل "انتقامي" معلن. ما يتراكم هنا ليس فقط عدد الاعتداءات، بل نموذجها: عنف استيطاني يعمل بوصفه ذراعا غير رسمية للسيطرة، فيما يتكفّل الجيش بتوفير الغطاء القانوني والميداني.
في مسافر يطّا، لا تُخاض المعركة على الحدود، بل داخل التفاصيل اليومية: حظيرة، خيمة، طريق ترابي، هاتف محمول، وسيارة إسعاف. إنها معركة على الحق في العيش دون إذن، وعلى القدرة على البقاء دون عقاب. وما جرى في تلك الليلة ليس سوى فصل مكثّف من رواية أطول، تُكتب منذ سنوات.