لشهيد جمال منصور.. أيقونة الضفة ومداد ثورتها
5 فبراير 2026
حين يُجمِع المختلفون على محبة رجل واحد، فذلك لأن حضوره يتجاوز الانتماءات الضيقة. هكذا تصف النصوص جمال منصور: قويّا بلا قسوة، محبوبا بلا تكلّف، صبورا عالي المعنويات. لذلك لم يكن اغتياله في نابلس يوم 31 تموز/ يوليو 2001 مجرد خبر عاجل؛ كان محاولة لضرب هذا النوع النادر من "الحضور" الذي يُربك القوة بصمته.
لم يكن اغتيال جمال منصور، مجرّد "عملية" تنتهي بانطفاء الصوت. كان محاولة لإغلاق نافذة من نوافذ المعنى في الضفة الغربية، ولإسكات نبرة قادرة على أن تُحرج القوّة بالثبات، وأن تُربكها بالاتساع؛ لأن الرجل، كما تصفه الروايات، كان محبوبا بين أطياف متعددة، حاضرا بإنسانيته قبل موقعه، وبابتسامة "حيّرت الصديق قبل العدو"، وبمعنويات عالية وصبر طويل.
من "ميلاد المنفى" إلى ملامح الطريق
حين يُقرأ المسار من بدايته، تظهر السيرة كخطّ مستقيم لا يتكلّف الزينة. ولد لاجئا في مخيم بلاطة عام 1960، لأسرة هجّرتها النكبة من سلمة في قضاء يافا. في هذا التفصيل وحده تتكثف استعارة كاملة: أن يبدأ الإنسان حياته من مخيم، لا يعني أن يظلّ رهينة "البداية"، بل قد يعني أنه سيحمل البداية معه كقيمة ومعيار: لا ينسى الأصل، ولا يهادن المعنى.
درس في مدارس وكالة الغوث، ثم انتقل إلى مدرسة قدري طوقان، ثم إلى جامعة النجاح الوطنية حيث درس المحاسبة والعلوم الإدارية وتخرّج عام 1983. وحتى هذا المسار الأكاديمي، الذي يبدو عاديا للوهلة الأولى، وصفه الاحتلال خطرا حين منعه من السفر للدراسات العليا بحجة الأسباب الأمنية.
لم تكن الجامعة محطة علمية فقط، بل فضاء تأسيس سياسي ونقابي وثقافي. فقد برز دوره في العمل الطلابي وتأسيس الكتلة الإسلامية، وفي تمثيلها انتخابيا أكثر من مرة، والمساهمة في تأسيس إطار نقابي أوسع باسم الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين ومقرها القدس، وإطلاق منبر طلابي عبر مجلة المنطلق.
اعتقل الشيخ جمال في مطلع الثمانينيات، حينها تدخل مدير الجامعة للمطالبة بالإفراج عنه، فكان ردّ الحاكم العسكري: هذا ليس طالبا، هذا خليفة. العبارة على ما فيها من مفارقة، تكشف منطق الاحتلال نفسه، إذ يقرأ الخطر في نمط القيادة المبكرة، في شاب كان يحمل العالم على كتفه. وقيل حينها إنه كان يحمل حقيبة قبيل اعتقاله من قبل جنود الاحتلال، وجدوا فيها كل شيء عن الأمة الإسلامية عن مآسيها وأحوالها، عن ظروفها، عن نكباتها، عن الجرائم التي تُرتكب بحقها.
الاغتيال في السجن المفتوح
في ساحة الصراع الفلسطيني، لا تكتفي أدوات القمع باستهداف الأجساد، بل تتجاوز ذلك إلى تحويل المكان كله إلى منظومة مراقبة قادرة على تتبّع الحركات واستهدافها من بعد. نظام مراقبة متكامل يغلّف الجغرافيا، فيرى المواطن هدفا قبل أن يراه إنسانا، ويحوّل الشارع إلى سجن مفتوح، والحيز المدني إلى فضاء خاضع للعيون والحواجز. وليس غريبا أن تصطف في هذا السياق محطات اعتقال متعددة على امتداد سنوات نضاله: إبعاده عام 1992 إلى مرج الزهور، ثم اعتقاله عام 1995 في سجن عسقلان، وما تلا ذلك من حديث عن التعذيب. لم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، فقد عهدت به سجون السلطة لسنوات، قبل أن يُفرج عنه مع اندلاع انتفاضة أيلول 2000، وفي تفاصيل هذه المحطات تتكشّف صورة رجل واجه القمع منذ شبابه.
ثم ظهر الاغتيال كأداة أخيرة في محاولة لإنهاء الصوت وتصفيته كفاعل سياسي وفكري. في 31 تموز/يوليو 2001، نفّذت طائرة عسكرية قصفا بصواريخ أمريكية، استهدف موقعا في نابلس، فأودى بحياة جمال منصور وعدد من رفاقه، بينهم جمال سليم وصحفي، وطفل تواجد في المكان لحظة الانفجار.
ما بعد الرحيل..
لم يكن رحيل جمال منصور حدثا سياسيا فحسب، بل فاجعة يومية تعيشها عائلته منذ أكثر من عقدين. في حديث يختلط فيه الحزن، تستعيد زوجته أم بكر منى منصور ذاكرتها، فتتعثر الأرقام على لسانها وهي تحاول إحصاء ما تبقى من حضور زوجها في الذاكرة العائلية. ستة أعوام قضاها في سجون الاحتلال والإبعاد إلى مرج الزهور، وثلاثة أعوام ونصف في سجون السلطة، قبل أن يكتمل الغياب باستشهاده.
غاب جمال منصور عن لحظات مفصلية في حياة أبنائه: تخرّج ابنه بكر وزواجه، ومسارات كريماته ابتَهال الصحفية، وبيان المهندسة، وأمان المحامية، ومرض ابنه الصغير بدر بعد استشهاده. خمسة عشر عاما من الزواج، لم تجمعه بزوجته فعليا سوى خمسة أعوام ونصف، توزّعت بقيتها بين السجن والإبعاد والمطاردة.
وبعد استشهاده، لم تنسحب العائلة من الفضاء العام؛ فازت أم بكر بعضوية المجلس التشريعي ضمن قائمة التغيير والإصلاح، قبل أن تُعتقل ويُقطع راتبها وراتب زوجها الشهيد لفترة. وحتى في الفقد الشخصي، حين توفيت والدة جمال منصور وهو معتقل في سجون السلطة، حُرم من وداعها، ليكتمل بذلك سجل الغياب الذي شكّل أحد أثقل أثمان هذا المسار.
استشهد جمال منصور، وقد بلغ من العمر حينها 40 عاما و5 شهور، وفاح عطر دمه في مدينة نابلس، التي ودعت قبل شهيدا أذاق الاحتلال مرّ الحياة؛ الشهيد القائد صلاح الدين دروزة، وهو صديق الشهيد منصور أيضا، يرحل الشهداء دوما عن الحياة الدنيا إلى الحياة الباقية، ولكنهم يتركون لنا إرثا عظيما من فكرهم الذي خطوه بأقلام من رصاص وثبتوه بدماء زكية طاهرة ما اختلطت يوما بأي عامل يُغير من رائحتها العطرة أو لونها الأحمر الوردي. ويُثبِتُون بتضحياتهم دعائم وركائز مشروع التحرر المستمر منذ أكثر من 70 عاما