الأبوة تحت القيد: سامر خويرة وشهادة الغياب القسري
27 يناير 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم تكن تجربة اعتقال سامر خويرة مجرد فصل عابر في سيرة صحفي؛ كانت هزّة في قلب بيت يعرفه الأطفال بترتيبه اليومي البسيط: أبٌ يخرج للعمل ويعود، يحمل معه ضحكة سريعة، أو حكاية من الطريق. في حياة الأب الفلسطيني تحديدا، لا تكون الأبوة وظيفة مستقرة؛ إنها حالة حضور مهدَّد دائما، وحضور يعرف أن الغياب قد يُفرض قسرا لا أن يُختار.
قبل السجن، كان سامر يتحرك بين دورين يبدوان متباعدين، لكنهما في فلسطين يتداخلان حدّ الالتباس: صحفي يلاحق الحقيقة حيث تُحاصر، وأب يحاول أن يُبقي البيت أقلّ خوفا مما يريده الاحتلال. يُقنع أبناءه أن العالم قابل للفهم، ثم يكتشف أن الاحتلال يتقن تفكيك هذا الوهم بطرق فظة: اقتحام، تفتيش، أسئلة بلا إجابات، وبيت يتحول فجأة إلى ساحة لا تشبه البيت.
عندما يخرج الأب من السجن، لا يعود كما يعود الغائب من سفر. يعود محمّلا بزمن آخر يسكن الجسد، ويختبر البيت من جديد.
في السجن، لا تصبح الأبوة ذكرى تُستعاد بترف عاطفي؛ بل تتحول إلى "نجاة" يومية. أن تتذكر ملامح أطفالك كي لا تتآكل صورتهم في داخلك، أن تخترع حضورا من خيال دافئ حين يُصادَر الحضور الحقيقي، وأن تحمي فكرة "الأب" من الانكسار الكامل: لا خوفا على صورتك، بل خوفا على أمانهم. هناك، في الزنزانة، يُجبر الأب على ممارسة أبوة بلا يدين: أبوة بالروح، بالصوت الداخلي، وبالوعد الصامت أن الغياب لن يتحول إلى نسيان.
وعندما يخرج الأب من السجن، لا يعود كما يعود الغائب من سفر. يعود محمّلا بزمن آخر يسكن الجسد، ويختبر البيت من جديد: كيف يُفتح الباب دون ارتجاف؟ كيف يُعانق أطفاله دون أن يمرّ الخوف بين الذراعين؟ وكيف يتعلم أن الفرح ليس لحظة مكتملة، بل ارتباك جميل يحتاج وقتا كي يصير طبيعيا؟ في تلك العودة، التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف كل شيء، كاحتضان ابنته له وهي تسلّمه أمانة الغياب: "ضلّيت قوية… زي ما قلتلي".
حين يُسأل سامر عن اللحظة التي لا تغيب عن باله، لا يختار واحدة. يقول ببساطة مربكة:
"حقيقة… كل اللحظات". تسعة أشهر كاملة، من لحظة اقتحام البيت، حتى لحظة العودة إليه، تتكدّس في الذاكرة دون فواصل واضحة: الاعتقال، أول ليلة، التنقّل من سجن إلى سجن، ثم المحطة الأخيرة في سجن نفحة الصحراوي، حيث كانت الأشهر الثلاثة الأخيرة صعبة جدا. يتذكر الليلة الأخيرة، لحظة الإفراج، ثم الوصول إلى ما يسميه ساخرا "المنطقة الآمنة" بين قوسين؛ هناك سجد على الأرض.
بعد ذلك، تبدأ تفاصيل لا تظهر في الروايات العامة: لقاء الأهل، المرض -السكابيوس والدمامل- ثم "لقاء الناس الحلو". كل هذه التفاصيل، كما يقول، لا تغيب عن باله مطلقا، لا بوصفها ذكرى، بل بوصفها حالة مستمرة، زمنا لا ينتهي عند باب السجن.
يصبح الحديث مع أسرى آخرين، جميعهم آباء، شكلا من أشكال النجاة الجماعية، يتذكرون أبناءهم، يحكون قصة، يستعيدون تفصيلا صغيرا، ويهدأون قليلا.
في هذا الزمن المفتوح، يصبح الإيمان أداة بقاء. يتحدث سامر عن "التسليم المطلق لإرادة الله"، لا بوصفه وعظا، بل كآلية للتماسك: الرضا بما يحدث له، وبما يحدث لعائلته، مع دعاء دائم ألا يُوجع بأحد منهم. الذكر، الدعاء، وقراءة القرآن -حين توفرت المصاحف- كانت وسائل ملموسة لتنظيم القلق داخل مكان لا يملك فيه الأسير سوى ذاته.
كما يصبح الحديث مع أسرى آخرين، جميعهم آباء، شكلا من أشكال النجاة الجماعية، يتذكرون أبناءهم، يحكون قصة، يستعيدون تفصيلا صغيرا، ويهدأون قليلا. كأن الكلام نفسه صار بيتا مؤقتا داخل الزنزانة.

لا يضع سامر تجربته خارج السياق العام. يصف ما جرى ضمن بنية واضحة: الاحتلال قائم على فكرة العقاب الجماعي. حين يُعتقل أب، تُعاقب العائلة بأكملها. وحين تُعتقل أم، تُعاقب العائلة بأكملها. وحين يُقصف بيت شخص، تُستهدف العائلة باعتبارها امتدادا للهدف. في هذا السياق، لا يكون السجن تجربة فردية، بل حدثا يعيد تشكيل الأسرة بأكملها، وقد يدفعها إلى أثمان اجتماعية ونفسية باهظة، خاصة حين يطول الغياب.
داخل الأسر، لا يقيس سامر الزمن بالأيام، بل بأعمار أبنائه. "هلأ حلا كبرت سنة". يتنقّل بين الأسماء كما لو كانت محطات نجاة: سرى، زينة، عز الدين. يتخيل التغيّرات الصغيرة التي لا تُحتمل: عز الدين لأنه الأصغر، صوته، شقاوته، طوله. عند زينة يتوقف عند احتمال أن يعود ليجدها محجبة. وعند سرى تتكثف السنة المفصلية: التوجيهي.
ثم يعود إلى الصيفيات كأرشيف للبيت: المطعم الفلاني، المتنزّه الفلاني، تفاصيل تبدو عادية لكنها تتحول في الغياب إلى دليل حياة. وفي النهاية يصل إلى خلاصة موجعة: "كبروا وتحملوا المسؤولية أبكر من أوانه".
ثم يعود إلى الصيفيات كأرشيف للبيت: المطعم الفلاني، المتنزّه الفلاني، تفاصيل تبدو عادية لكنها تتحول في الغياب إلى دليل حياة. وفي النهاية يصل إلى خلاصة موجعة: "كبروا وتحملوا المسؤولية أبكر من أوانه".
في هذا السياق أيضا، تتشكل داخل السجن علاقات رعاية بديلة. خلال فترة أسره، عاش سامر في أقسام ضمّت أعمارا من 18 حتى 72 عاما. لاحظ أن كثيرا من الشبان بدأوا، في مرحلة ما، يراجعون علاقتهم بآبائهم وأمهاتهم، ويخططون لترميمها إن خرجوا. يروي عن أسير شاب كان يصرّ على خدمته، قال له: "إنت أبوي". يوضح سامر أن نصيحته كانت دائما تُقال بصيغة واضحة لمن هم أصغر سنا: "بدكمش تعتبرونا آباءكم، اعتبرونا إخوانكم الكبار". هكذا تشكّلت العلاقة كما يصفها: نصيحة، واحتواء، وإرشاد ومراجعة. شكل من السند الإنساني داخل السجن، لا لتحلّ مكان الأب، بل لتمنع الوحدة من أن تكون كاملة.
يصف سامر لحظة الإفراج بأنها "ولادة جديدة". رغم حصوله على قرار الإفراج الإداري، لم يتخيّل أن السابع من يناير سيأتي وهو على قيد الحياة. في طريق العودة، داخل "البوسطة"، لم يكن متأكدا أنه سيخرج فعلا؛ كان يخاف أن يُعاد إلى السجن في اللحظة الأخيرة. الأصعب لم يكن الأمان بحد ذاته، بل الخوف من ألّا يتحقق. وحين تحقق، احتاج وقتًا ليستوعب أنه "برّة السجن"، وأن جسده يمكنه أن يدوس على الإسفلت دون إذن.
على باب البيت، استعاد الأبوة عبر جملة واحدة. حضنته ابنته الكبيرة حلا وبكت، ثم قالت:
"بابا، أنا ضلّيتني قوية… زي ما إنت طلبت مني". كانت آخر من رآها قبل الاعتقال، حين قال لها: "كوني قوية". حفظت الجملة طوال الغياب، ثم أعادتها له كدليل على أن الوعد لم ينكسر.
العودة لم تكن نهاية القصة. يعترف سامر بأنه احتاج إلى "التعرّف" على أبنائه من جديد.
بعدها جاء دور عز الدين. حضنه وبكى بعفوية، ثم قال: "بابا، لحيتك طويلة". تفصيل صغير، لكنه حاسم: ابنه عرفه فورا، رغم الغياب ورغم التغيير، الذاكرة لم تخنهما.
العودة لم تكن نهاية القصة. يعترف سامر بأنه احتاج إلى "التعرّف" على أبنائه من جديد، خاصة ابنته الكبيرة: الجامعة، وتجربتها الأولى في العمل، وكيف تدبرت أمورها وحدها. الثانية منشغلة بالتوجيهي، سنة مفصلية تأخذ معظم وقتها. لا يقدّم صورة مثالية؛ يتحدث عن محاولة أمل مشترك "لجسر الغياب القسري الذي كان"، والعودة إلى وضع الطبيعي، بل أفضل مما كان.

في كلمته الأخيرة، يقدّم سامر توصيفا قاسيا لكنه دقيق: أبناء الأسرى الذين يطول أسر آبائهم يعيشون "حكم الأيتام" اجتماعيا، لا ماليا. يُتمٌ من نوع خاص. يتذكر أسيرا قضى 23 عاما في السجن: اعتُقل وابنه عمره سنة، وزوجته حامل ببنته. يتساءل: كيف عاشوا كل هذه السنوات؟ حتى لو وُجدت اتصالات وزيارات، فكم مدتها؟ وماذا عن بقية اليوم، وبقية العمر؟
في تجربة خويرة، لا تظهر الأبوة كدور بيولوجي أو اجتماعي فقط، بل كفعل مقاومة يومي: مقاومة النسيان، مقاومة الخوف، ومقاومة تحوّل الغياب إلى فراغ.