الاعتقال الإداري ووجع الانتظار: حكاية زوجة الأسير زعاقيق
18 يناير 2026
لطالما أنهكتها هواجس الغياب، حتى وقع ما كانت تخشاه. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وبعد نحو شهر على اندلاع حرب غزة، داهمت قوات الاحتلال الإسرائيلي المنزل. عبثت الأيدي في محتوياته خرابا، وحين لم تجد أصحاب البيت، اتصلوا بالرجل المطلوب علاء زعاقيق قائلين: "سلّم نفسك". حفاظا على عائلته، توجّه علاء إلى أقرب نقطة لتمركز الجيش، كان يظن أنه سيعود في ذات اليوم، ولم يتوقع هذا الغياب الطويل.
منذ ذلك اليوم، بات قلب صابرين جميل موقد حرائق لا يخبو. انطفأ الأنس في فؤادها، وذابت كمدا وحزنا، وهي تحمل وحدها عبء تربية ثلاثة أطفال كبروا على الغياب. أطفال لم ينسجوا مع أبيهم الذكريات، ولم ينادوه إلا باسم يتردد على الشفاه: "بابا علاء".
تحدثنا زوجة الأسير علاء موسى زعاقيق عن اعتقال زوجها، وعن الألم المبرح الذي خلّفه غيابه، وعن أطفال ينتظرونه كل مساء، وعن معنى أن تكوني زوجة أسير وأمّا مسؤولة عن كل شيء وحدك.

تبدأ صابرين حديثها بالتعريف عن زوجها، قائلة: "زوجي الأسير علاء موسى زعاقيق من بلدة بيت أمر قضاء الخليل، حافظ متقن لكتاب الله، وإمام وخطيب مسجد بيت أمر الكبير. حاصل على بكالوريوس الشريعة من جامعة الخليل، ويستكمل دراسته في كلية الدراسات العليا بتخصص القضاء الشرعي، ولم يتبقّ له سوى مناقشة رسالة الماجستير، لكن السجون حالت دون ذلك. أمضى في سجون الاحتلال ما يقارب ثمانية أعوام، غالبيتها في الاعتقال الإداري الظالم".
في نوفمبر 2023 بدأ فصل جديد خلف الأسوار العاتية في السجون الإسرائيلية، لكنه لم يكن الفصل الأول في سيرة الاعتقال؛ فقد سبقته فصول عدة. قبل زفافهما بأيام، اعتُقل علاء لمدة سبعة عشر شهرا، ثم أُفرج عنه ليتزوجا في العام 2015.
هذه المرة كان الغياب أشد وطأة. سلّم نفسه مجبرا، مودّعا زوجته وطفليه، فيما لم تكن طفلته الثالثة قد وُلدت بعد. ومنذ ذلك اليوم، تعدّ صابرين الأيام، وتمنّي نفسها بلقاء قريب. تقول: "يوم اعتقاله كان يوما مثقلا بالهم والقلق. بكيت كثيرا. لم يكن علاء يريد السجن أبدا، وكان الأمر ثقيلا عليه وعليّ وعلى أبنائنا. وما زاد القلق حينها هو الوضع السيئ للسجون، الذي كان وما يزال قاسيا". وتضيف: "أكثر ما كان يوصيني به علاء هي وصية الثبات والصبر والاحتساب. كان يقول لي: يقينا راجع لكم بإذن الله، لا تقلقوا أبدا".
مددت سلطات الاحتلال اعتقاله الإداري للمرة الخامسة، لأربعة أشهر جديدة، لتغرق صابرين في دوامة نفسية قاسية. كانت قد جهزت المنزل بانتظار عودته، واستعدت للحظة اللقاء
منذ اعتقاله، انقطع التواصل. عاشت صابرين انتظارا مريرا، تتنقل بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي علّها تعثر على اسمه في قوائم المفرج عنهم، دون جدوى. حاولت إرسال محام للزيارة، لكن التكلفة المادية كانت مرهقة، خاصة في ظل انقطاع رواتب الأسرى، فكانت النار نارين.
مؤخرا، مددت سلطات الاحتلال اعتقاله الإداري للمرة الخامسة، لأربعة أشهر جديدة، لتغرق صابرين في دوامة نفسية قاسية. كانت قد جهزت المنزل بانتظار عودته، واستعدت للحظة اللقاء. وكانت "يقين"، آخر العنقود، على موعد مؤجل مع رؤية والدها للمرة الأولى. لكن الموعد تأجل، وستقضي الصغيرة شهورا أخرى تكبر فيها على الغياب.

أما عن أطفال الأسير علاء، فتقول زوجته: "أولادي دائما يسألون عنه، مشتاقون له كثيرا. في كل مرة يُجدد اعتقاله، يصابون بانتكاسة صامتة تخفيها براءتهم، وتفضحها دموعهم في لحظات اشتياق صادقة. ابنتي يقين عمرها عامان، لا تعرف والدها، ولا يعرفها. عندما اعتُقل كنت حاملا بها".
لم يسمح الاحتلال واعتقالاته المتكررة لعلاء أن يحضر ولادة أي من أطفاله سوى الابن الأوسط نجم. أما الابن البكر وآخر العنقود، فقد وُلدا وهو رهن الاعتقال. تضيف: "ابني نور الدين تحديدا متعلق بوالده، لأنه البكر وأكثرهم وعيا. بكى كثيرا عند تجديد اعتقال علاء الأخير. اللحظات التي جمعته بأبيه قليلة، لكنه يذكره، على عكس أخوته الذين يعرفونه من الصور فقط". وتكمل بمرارة: "أكثر اللحظات التي كنت أتمناه فيها معنا هي لحظات إنجاب أطفالنا، دخولهم الروضة والمدرسة. أحتاجه في ليلي الطويل، في مرض أحدنا، في الشتاء، في الوحدة… كثيرة هي اللحظات التي افتقده فييها".
"نعيش على خيالات اللقاء والاجتماع، ونصبّر أنفسنا بحسن الظن. ربما يبدو لقاؤنا حلما، وقد تستبعده قلوبنا في لحظات اليأس، لكن اليقين وحسن الظن بالله ينتشلانا دائما، ويعيد إلينا الإيمان بأن اجتماعنا سهل عليه، وأنه مسألة وقت وصبر".
تصل صابرين أخبار علاء بشكل شبه دائم. يخبرونها أن معنوياته عالية، وأنه يستثمر وقته في صحبة القرآن، وقد ثبّت حفظه وسرده مرتين. أصيب بمرض السكابيوس لفترة طويلة، ويعيش ظروفا مأساوية داخل السجن، لكنه يتمسك بحبل الصبر المديد.
تختم صابرين حديثها قائلة: "نعيش على خيالات اللقاء والاجتماع، ونصبّر أنفسنا بحسن الظن. ربما يبدو لقاؤنا حلما، وقد تستبعده قلوبنا في لحظات اليأس، لكن اليقين وحسن الظن بالله ينتشلانا دائما، ويعيد إلينا الإيمان بأن اجتماعنا سهل عليه، وأنه مسألة وقت وصبر".