أهالي مخيم نور شمس يختتمون العام بالركام
7 يناير 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في صباح ثقيل على مخيم نور شمس، لم يستيقظ ياسر الصيّس على صوت المنبّه أو حركة أطفاله، بل على خبر لم يكن طارئا، بل إعادة إعلان لخسارة مؤجلة حسمت منذ رمن: البيت الذي خرج منه قبل عام لم يعد موجودا. من مكان إقامته المؤقت، تابع عبر شاشة هاتفه جرافات عسكرية تلتهم المبنى الذي كان يضم ستة عشر فردا من عائلته، معظمهم أطفال.
بهذا المشهد، ختم أهالي مخيم نور شمس عام 2025؛ لا بعودة منتظرة، ولا بأفق جديد، بل بهدم إضافي يثبت واقع الاقتلاع بوصفه سياسة مستمرة. لم يكن الهدم لحظة معزولة، بل محطة متأخرة في مسار طويل، حيث لا يمنح الناس حق الاعتياد، وكل شي يظل قابلا للإزالة.

ما جرى في مخيم نور شمس للاجئين في طولكرم لا يمكن قراءته بوصفه إجراء أمنيا معزولا، بل كجزء من سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل المكان الفلسطيني عبر التدمير والإفراغ السكاني. ففي الأربعاء الماضي، شرع الجيش الإسرائيلي في عمليات هدم واسعة طالت ما لا يقل عن 25 مبنى سكنيا داخل المخيم، أدّت إلى تدمير نحو 100 شقة وتشريد 400 فلسطيني بشكل دائم، بعدما كانت العائلات قد أُجبرت على إخلائها منذ بداية الهجوم العسكري على شمال الضفة الغربية مطلع عام 2025.
يبدو الهدم محاولة لضرب الذاكرة الجماعية بقدر ما هو تدمير للحجر، وتحويل المخيم من فضاء للانتظار والعودة إلى مساحة خالية قابلة لإعادة الضبط العسكري.
اللافت في هذه العمليات أنها تستهدف مخيمات اللاجئين تحديدا، وهي فضاءات لا تمثّل مجرد تجمعات سكنية مكتظة، بل تحمل رمزية سياسية وتاريخية بوصفها شاهدا حيّا على النكبة واستمرار قضية اللاجئين. من هذا المنظور، يبدو الهدم محاولة لضرب الذاكرة الجماعية بقدر ما هو تدمير للحجر، وتحويل المخيم من فضاء للانتظار والعودة إلى مساحة خالية قابلة لإعادة الضبط العسكري.
قصص المهجّرين تكشف البعد الإنساني القاسي لهذه السياسة. فالعائلات التي تلقت إشعارات الهدم مُنحت مهلة لا تتجاوز أسبوعين، وسُمح لها بالعودة لفترات قصيرة لجمع مقتنيات محدودة. ما تبقّى من الأثاث والذكريات تُرك في الشوارع، فيما وجد السكان أنفسهم بلا عمل، يتنقّلون بين غرف مستأجرة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش. ومع مرور ما يقارب العام على بداية النزوح، لم يعد الحديث عن الطوارئ كافيا لوصف واقع تحوّل إلى حالة دائمة من عدم الاستقرار.

وفقا للقانون، جاءت عمليات الهدم الأخيرة بعد قرار للمحكمة العليا الإسرائيلية، رفضت فيه التماسا قدّمه سكان المخيم والمناطق المحيطة ضد الأوامر العسكرية. واستند القرار إلى مواد سرّية قدّمتها النيابة العامة بالتنسيق مع الاستخبارات العسكرية، من دون إطلاع المتضررين أو محاميهم عليها. في مسار قضائي يعكس اختلالا بنيويا في منظومة العدالة، حيث يُستخدم "السرّي" كأداة لإضفاء الشرعية على سياسات تمسّ بحقوق أساسية، وفي مقدمتها الحق في السكن والحماية من التهجير القسري.
الهدم في نور شمس يأتي ضمن سياق أوسع من العمليات العسكرية التي أطلقها الجيش الإسرائيلي في كانون الثاني/يناير في شمال الضفة الغربية، وشملت جنين وطولكرم وطوباس، وأسفرت عن تهجير نحو 40 ألف فلسطيني، في أكبر موجة نزوح تشهدها الضفة منذ عام 1967. ولم يتوقف الأمر عند الاقتحامات، بل ترافقت العمليات مع تدمير للبنية التحتية، وشق طرق عسكرية، وتحويل منازل فلسطينية إلى ثكنات، في مؤشر على نية فرض وجود عسكري طويل الأمد داخل الأحياء السكنية.
يكشف هدم المنازل في مخيم نور شمس عن سياسة تتجاوز منطق الأمن إلى منطق الإفراغ وإعادة الهندسة الديموغرافية.
تشير التقديرات إلى أن نحو 60% من منازل مخيم نور شمس دُمّرت كليا أو جزئيا، ما أدى إلى تشريد جميع سكانه البالغ عددهم أكثر من 11 ألف شخص. لكن المأساة لا تتوقف عند حدود التهجير. فالعائلات المهجّرة تعيش اليوم شتاء قاسيا بلا دعم كاف، في ظل ضعف الاستجابة من الجهات الرسمية والدولية المعنية بشؤون اللاجئين. ومع غياب خطط جدية لإعادة الإعمار أو ضمان العودة، يتحوّل النزوح إلى واقع مفتوح بلا أفق، وتصبح فكرة "البيت" نفسها مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
في المحصلة، يكشف هدم المنازل في مخيم نور شمس عن سياسة تتجاوز منطق الأمن إلى منطق الإفراغ وإعادة الهندسة الديموغرافية. سياسة لا تكتفي بحرمان الفلسطيني من منزله، بل تسعى إلى تفكيك علاقته بالمكان، وتجريده من أي شعور بالاستقرار أو المستقبل. وفي ظل هذا الواقع، يبدو السؤال الأكثر إلحاحا ليس متى ستتوقف الجرافات، بل في النتائج البنيوية لسياسة تعيد تشكيل الحياة عبر محوها.