نساء غزة.. أصوات مثقلة بالمعاناة وأحلام مؤجلة
25 ديسمبر 2025
لن أبدأ الحديث عن حقوق النساء التي كنا نتداولها في الماضي، كالحق في التعليم أو العمل أو حرية التعبير، تلك الحقوق التي كنا نظنها بديهية وراسخة. بل سأتحدث عن نساء غزة اللواتي يواجهن اليوم واقعا مختلفا تماما؛ يتجاوز كل النقاشات السابقة، ليضعهن في مواجهة حياة مثقلة بالمسؤوليات والخوف والانتظار.
نساءٌ متعلمات، مثقفات، حافظات لكتاب الله، زوجات وأمهات صالحات، لكن صورتهن الحقيقية اليوم ليست في قاعات الدراسة ولا أماكن العمل، بل في طوابير الماء والخبز وفي أدوار لا تنتهي داخل البيوت والخيام.
نساءٌ متعلمات، مثقفات، حافظات لكتاب الله، زوجات وأمهات صالحات، لكن صورتهن الحقيقية اليوم ليست في قاعات الدراسة ولا أماكن العمل، بل في طوابير الماء والخبز وفي أدوار لا تنتهي داخل البيوت والخيام.
تخيّل أن هذه المرأة تقف يوميا منذ السادسة صباحا في طابور طويل للحصول على بضع لترات من الماء أو على وجبة ساخنة من التكية. كانت في الماضي تُجهّز أبناءها للمدرسة في هذا الوقت، أما اليوم فهي تبحث فقط عن أبسط مقومات الحياة. لقد أصبحت في آن واحد الأب والأم لأطفالها، تتحمل أعباء مضاعفة لا يراها أحد إلا من عاش التجربة.
هذا المشهد اليومي يكشف حجم التحديات التي تواجه النساء، ويُظهر كيف تحوّل "الحق" إلى "مطلب بعيد المنال".
حق المرأة في التعليم، الذي نراه في كل المواثيق والعهود الدولية، صار في غزة معركة يومية تخوضها الطالبات الجامعيات. كيف لطالبة أن تدرس بينما تحتاج إلى ساعات من البحث عن مكان فيه كهرباء أو شبكة إنترنت لتسليم واجب أو تقديم امتحان؟ كثيرا ما تسير مسافات طويلة تحت شمس الصيف الحارقة أو برد الشتاء القاسي، فقط لتجد جهازا مشحونا أو شبكة ضعيفة تساعدها على الاتصال بالعالم الخارجي.
وفي أيام الشتاء، حين تغرق الطرقات بالمياه وتتحول الشوارع إلى برك طينية، يصبح الوصول إلى الجامعة مغامرة قد تنتهي بالعودة بلا فائدة.
وفي أيام الشتاء، حين تغرق الطرقات بالمياه وتتحول الشوارع إلى برك طينية، يصبح الوصول إلى الجامعة مغامرة قد تنتهي بالعودة بلا فائدة. أبسط الحقوق، كأن تجلس الطالبة على مقعدها الدراسي، بات امتيازا نادرا يتطلب صبرا ومعاناة.
تنهي الطالبة جامعتها بمعدل ممتاز، تضع شهادتها في إطار على الجدار، ثم تخرج لتقف في طابور طويل للحصول على الماء أو رغيف خبز. من حقها أن تدخل إلى سوق العمل وأن تجد وظيفة تليق بسنوات الدراسة والجهد، لكن في غزة كثيرا ما تُجبر النساء على ترك أحلامهن جانبا والانخراط في صراع البقاء اليومي.
أما الأمهات، فحقهن الطبيعي أن يرين أطفالهن يكبرون أمام أعينهن، يتعلمون وينجحون. لكن الواقع مختلف؛ الأم مشغولة بتأمين لقمة الطعام، والطفل منشغل بجمع الحطب لإشعال النار أو بجلب الماء من مسافات بعيدة. إنها صورة تختصر كيف تتحول الأدوار في لحظة أزمة إلى عبء مضاعف يثقل كاهل النساء والأطفال معا.
من حق الصحفيات أن يؤدين عملهن بحرية، وأن ينقلن ما يجري حولهن دون خوف، فهذا حق أصيل كفله القانون الدولي ومواثيق حرية التعبير. لكن في غزة، تتحول الكاميرا أو حتى الهاتف المحمول إلى خطر قد يهدد حياة صاحبتها. الصحفية التي تلتقط صورة أو تسجل شهادة قد تصبح هدفا مباشرا.
الحقيقة التي لا تنقلها النساء تبقى ناقصة، محرومة من تفاصيل البيوت والخيام والطوابير.
ورغم ذلك، لم تتوقف النساء عن أداء دورهن. بعضهن يكتبن بأسماء مستعارة، وأخريات يصررن على الظهور رغم الخوف، لأن إسكات أصواتهن يعني محو نصف الحقيقة. فالحقيقة التي لا تنقلها النساء تبقى ناقصة، محرومة من تفاصيل البيوت والخيام والطوابير. حماية الصحفيات هنا ليست مطلبا مهنيا فقط، بل هي شرط أساسي لحق الناس في المعرفة ولحماية ذاكرة المجتمع.

إلى جانب كل هذا العبء، تحمل الكثير من الأمهات جرحا لا يُشفى: فقدان فلذات أكبادهن. أمّ دفنت طفلها تحت الركام، وأخرى لم تودّعه، وثالثة لا تجد سوى صورة قديمة تضعها على صدرها كل ليلة. هذه المآسي لا يمكن أن تمر مرور الكرام، فهي تختصر ما تعنيه الحرب بالنسبة للأم: فقدان الحاضر والمستقبل معا.
كل هذه الصور اليومية – الطالبة التي تُعلّق شهادتها على الجدار، الأم التي تصحو مع الفجر، الصحفية التي تجعل من القلم درعا – تكشف أن النساء في غزة يتحملن مسؤوليات مضاعفة غير عادلة. لكن معاناتهن ليست مجرد قصص فردية، بل قضية حقوقية وسياسية واجتماعية يجب أن تُطرح على العالم بجدية.
إن حقوق النساء ليست ترفا ولا شأنا مؤجلا، بل هي حق أصيل في الحياة الكريمة والعدالة والذاكرة.
إن حقوق النساء ليست ترفا ولا شأنا مؤجلا، بل هي حق أصيل في الحياة الكريمة والعدالة والذاكرة. ومن دون إنصاف النساء وإشراكهن في القرارات الكبرى – من التعليم والعمل إلى الإغاثة وإعادة الإعمار – ستبقى العدالة ناقصة وستظل إعادة الإعمار بلا روح.
فالمرأة التي تنتظر في الطابور كل صباح لا تنتظر الطعام فقط، بل تنتظر اعترافًا بأن حياتها وحقها في الكرامة أثمن من أن يُتركا للنسيان.