من "الاقتحام" إلى "التواجد": استراتيجية الاحتلال لتطبيع السيطرة في الضفة
23 ديسمبر 2025
في الأسابيع الأولى لعدوان الاحتلال على مخيمات طولكرم، روى تجار المدينة شهادات متواترة عن نمط مستحدث من التحركات العسكرية؛ حيث كان جنود الاحتلال يتجولون بين المحال التجارية يتقدمهم شخص بزيّ مدني، لا يحمل سوى مسدس شخصي ويتحدث العربية بطلاقة، يرافقه جنود مدججون بالسلاح، كان يوجه خطابه للأهالي قائلا: "لا تقلقوا، ليس لنا مشكلة معكم.. مشكلتنا هناك"، مشيرا بإصبعه نحو مخيمي طولكرم ونور شمس.

هذه الروايات لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل كانت تمهيدا لظهور ما يمكن تسميته بـ "خطاب القوة الناعمة" فقد تبع ذلك ظهور "الكابتن إيلا" وسط طولكرم رفقة طاقم تصوير وحماية عسكرية، لتقدم خطابا يزعم أن المدينة أصبحت "أكثر هدوءا وأمانا" بعد القضاء على من وصفتهم بـ "المخربين"، مدعية أن الجيش سيعمل على استدامة هذا الهدوء لتعزيز الحركة التجارية. وهو ذات الأسلوب الذي انتهجه "أفيخاي أدرعي" في جولات مشابهة بطولكرم وجنين، في محاولة واضحة لتصدير صورة ذهنية "مبيّضة" للاحتلال، تُظهره كراعي للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ومساهم في تسيير الحياة اليومية.
إن الهدف الجوهري من هذا الخطاب المباشر هو "تطبيع" وجود الاحتلال في الوعي الجمعي الفلسطيني؛ بحيث يعتاد الناس على رؤية الجنود كجزء من المشهد اليومي.
إن الهدف الجوهري من هذا الخطاب المباشر هو "تطبيع" وجود الاحتلال في الوعي الجمعي الفلسطيني؛ بحيث يعتاد الناس على رؤية الجنود كجزء من المشهد اليومي، وتكمن الخطورة هنا في محاولة تحويل مفهوم "عملية الاقتحام" إلى مجرد "تواجد اعتيادي". وفي المصطلحين بون شاسع؛ فالأولى تستدعي الاستنفار والمواجهة، بينما توحي الثانية بحالة من التسليم والتعايش، فيما يشبه "سيكولوجية الألفة الكاذبة" التي تهدف لتحويل الجندي إلى "عنصر مألوف" لدى المجتمع مما يقلل من حدة التحفز الدفاعي لدى المواطنين.

وترسيخا لهذا النهج، كثف الاحتلال خلال الأشهر الماضية من اقتحاماته النهارية لمراكز المدن والبلدات دون أهداف عملياتية واضحة. وصل الأمر حد تجول الدوريات في الأسواق المكتظة دون نزول الجنود من مركباتهم، أو ترجلهم أحيانا لشراء الحلويات والتجول في أزقة البلدة القديمة في نابلس كما حدث خلال الأيام الماضية، والتي كانت حتى وقت قريب تشتعل نارا وبارودا بمجرد اقتراب الآليات من حدودها، ولعل هذا "التمشي" يهدف بالدرجة الأولى إلى تفكيك منظومة الردع الشعبي، وإيهام الجيل الناشئ بأن الحياة يمكن أن تستمر بوجود المحتل، شرط التخلي عن خيار المواجهة.
قد تبدو هذه التصرفات للوهلة الأولى سلوكا فرديا لجنود يشعرون بإحكام السيطرة، لكن في عقيدة جيش نظامي يخوض مواجهات على جبهات متعددة وشديدة الخطورة، لا يمكن لهذه التصرفات إلّا أن تكون مدروسة، وباعتقادي إن ترجل الجندي لدخول "محل كنافة" أو "التمشي" في أزقة نابلس أو تجول الآليات في القرى والمدن هو أمر عسكري مدروس يهدف إلى "جس نبض" الشارع واختبار ردود فعله تجاه الاحتكاك المباشر.
باعتقادي إن ترجل الجندي لدخول "محل كنافة" أو "التمشي" في أزقة نابلس أو تجول الآليات في القرى والمدن هو أمر عسكري مدروس يهدف إلى "جس نبض" الشارع واختبار ردود فعله تجاه الاحتكاك المباشر.
يهدف الاحتلال من وراء هذه السياسة إلى تحويل الشعب -الذي كان يهرع شبابه وأطفاله وشُيّابه للتصدي للاقتحامات بالحجارة والزجاجات الحارقة- إلى مجتمع يعتاد المشهد ويمر من أمامه مرور الكرام، وهي محاولة لترويض رد الفعل الشعبي وتحويله من حالة الاشتباك الدائم إلى حالة "الفتور".
إلا أن التجارب التاريخية للشعب الفلسطيني تشير إلى أن الاحتلال قد يحقق نجاحات مؤقتة، لكنها على المستوى الاستراتيجي قد تنقلب كارثة على أمن جنوده. إن مراهنة الاحتلال على مرحلة "الفتور" الناتجة عن حجم الإجرام الممارس مؤخرا هي مراهنة خاسرة؛ فالمراحل النضالية تمر بفترات مد وجزر، وما مشهد هجوم الشبان بالحجارة على جيب عسكري في سوق رام الله -رغم محاولته إظهار "التواجد الهادئ"- إلا رسالة واضحة بأن سياسة "تطبيع الوجود" قابلة للانفجار في أي لحظة، وأن الحجر الذي استهدف الدورية لم يكن مجرد غضب عابر، بل تأكيدا على أن محاولات ترويض الوعي الشعبي الفلسطيني قد لا تنجح كما يريده لها قادة الاحتلال، وقد تتحول إلى انفجار كبير يوما ما.