مخيمات شمال الضفة وسؤال الانسحاب
18 ديسمبر 2025
لطالما كان سؤال "متى سينسحب الاحتلال من مخيمات شمال الضفة؟" يتردد في أذهاننا، بوصفه أفقا لانتهاء جولة العدوان التي بدأت في يناير 2025 أو خفض حدتها، لكن قسوة الواقع الحالي تدفعنا إلى طرح سؤال أشد مرارة: ما الذي يدفعه للانسحاب أصلا؟
إن الحسابات الميدانية والسياسية تشير إلى أن كل العوامل الضاغطة، التي كانت قد تدفع جيش الاحتلال إلى الانسحاب، أو إعادة الانتشار أو التخفيف من تواجده قد تلاشت، وحل محلها واقع جديد يتم فيه تعزيز السيطرة بعمق غير مسبوق.
الاحتلال اليوم يحصد نتائج إستراتيجية يبدو أنها لم تكلفه شيئا يذكر، بعد مضي الأيام الأولى على العدوان وارتقاء شباب المقاومة، ومحاربة السلطة لكل نفس مقاوم ضمن سياسة "سد الذرائع"، ففي مدن شمال الضفة الغربية الحساسة، يحتل الجيش مواقع استراتيجية بتكلفة بشرية تقترب من الصفر في صفوف جنوده. والأخطر من ذلك، هو غياب أي رد فعل يذكر بعد الأشهر الأولى من العمليات العسكرية التي وقف خلالها شباب المقاومة يدافعون عن المخيمات بدمائهم حتى ارتقى معظمهم واعتقل الجزء الآخر.
الأخطر من ذلك، هو غياب أي رد فعل يذكر بعد الأشهر الأولى من العمليات العسكرية التي وقف خلالها شباب المقاومة يدافعون عن المخيمات بدمائهم حتى ارتقى معظمهم واعتقل الجزء الآخر.
لقد تجاوز الأمر مجرد كونه "اقتحاما ليليا" عابرا؛ بل تحول إلى تواجد دائم على مدار الساعة في قلب مراكز المدن، هذا التواجد المستمر لم يواجه بأي رد فعل رسمي حتى في أبسط صورها، كـ "مؤتمر صحفي لشجب واستنكار".

لم تعد المخيمات، التي باتت مُخلاة بالكامل إلا من الجنود، مجرد مسرح للعمليات القتالية، الواقع الميداني الذي يستمع إليه الناس بين الحين والآخر في طولكرم وجنين، يشير إلى أن شوارع هذه المخيمات وأزقتها، وبيوتها المهدمة وغير المهدمة، تُستخدم الآن كميادين تدريب ومسارح لسيناريوهات عملياتية يتم فيها صقل مهارات الجنود تحضيرا لأي معارك قادمة، سواء في الضفة أو غزة أو حتى على الجبهة الشمالية. أصوات إطلاق النار التي لا تكاد تتوقف ليلا لم تعد تدل على وجود اشتباك، بل على روتين عسكري يومي يتم فيه استغلال أرض المخيمات كمنصة دائمة للتدريب.
إن أكثر ما يريح الاحتلال هو حالة الرد الشعبي شبه الصفرية، والصمت الإعلامي والسياسي الشامل. على المستوى الشعبي، لا يوجد حراك ضاغط ومؤثر باستثناء ثلة قليلة من أهالي المخيمات الذين بدؤوا بالاحتجاج مؤخرا، لكن هذا الحراك، رغم شجاعته، لا يشكل قوة ضاغطة لا على الاحتلال ولا على الجهات الرسمية الفلسطينية، ولا حتى على المستوى الدولي.
أما على صعيد الإعلام الرسمي الفلسطيني، فهو شبه مغيب عن كارثة الشمال، إذ يكتفي هذا الإعلام بنقل الخبر الميداني دون أي محاولة جادة لـ صناعة الحدث، أو التأثير على أجندات الإعلام الدولي والأجنبي، لجعل كارثة شمال الضفة قضية رأي عام عالمي مُلحة.
كل ما سبق يتفاقم في ظل وجود حكومة يمينية متطرفة لا ترى في السلطة الفلسطينية شريكا سياسيا أو أمنيا، بل تعتبرها "مؤسسة إرهابية" لمجرد رفعها للعلم الفلسطيني أو احتوائها على مناهج دراسية تتضمن آيات قرآنية، أو صورا للقدس والأقصى في مكاتب مسؤوليها.
التصعيد في الخطاب والممارسة يعني أن الاحتلال قد رفع السقف إلى أعلى مستوياته، وبناء على ذلك تبدو طروحات "انسحاب الاحتلال وتسليم المخيمات للسلطة" مستبعدة تماما.
هذا التصعيد في الخطاب والممارسة يعني أن الاحتلال قد رفع السقف إلى أعلى مستوياته، وبناء على ذلك تبدو طروحات "انسحاب الاحتلال وتسليم المخيمات للسلطة" مستبعدة تماما، حتى لو قدمت السلطة كل فروض "حسن النية" المتمثلة في محاربة المقاومة واعتقال معارضي الاحتلال، فإن النظرة اليمينية المتطرفة الحالية تجعل من الشراكة مع السلطة أمرا مرفوضا وبالتالي سيناريو انسحاب الاحتلال من المخيمات وتسليمها للسلطة تبدو فرضية مستبعدة الحدوث على الأقل على المدى القريب

سلوك الاحتلال على الأرض، وتحديداً من خلال تعبيد الشوارع وهدم البيوت بشكل هندسي ممنهج "وليس بشكل انتقامي عشوائي"، يشير إلى سيناريوهين متكاملين يرسخان فكرة غياب الانسحاب القريب:
لا انسحاب قبل تنفيذ مخططات الهدم المعلن عنها والتي تتطلب أسابيع وربما أشهرا لتنفيذها بالكامل، مما يستبعد أي انسحاب خلال الأشهر القليلة القادمة.
خلق واقع مستدام بهدف فرض وقائع عملية مستدامة، بتحويل المخيمات إلى "حارات مشتركة" مع المدينة، وضمان عدم عودة قرابة نصف سكان المخيمات، حيث ستصبح منازلهم السابقة شوارع عريضة ودواوير وطرق، بالإضافة إلى قرارات منع البناء.
بات الاحتلال يعمل ضمن خيارين أحلاهما مر بالنسبة للفلسطيني ولابن المخيم، إما البقاء الدائم في المخيمات وبقاء التهجير الكلي، أو الانسحاب بعد تنفيذ سياسات التوطيد على أرض الواقع.
الخلاصة واضحة ومُخيفة: لا يوجد أي ضغط فعلي يدفع الاحتلال للانسحاب من المخيمات حاليا. وإذا ما قرر الانسحاب يوما، فإنه سيترك وراءه واقعا جغرافيا وديمغرافيا مُغايرا، لا يقل سوءا عن تواجده المباشر داخل هذه المخيمات، إذ بات الاحتلال يعمل ضمن خيارين أحلاهما مر بالنسبة للفلسطيني ولابن المخيم، إما البقاء الدائم في المخيمات وبقاء التهجير الكلي، أو الانسحاب بعد تنفيذ سياسات التوطيد على أرض الواقع والتي تضمن عدم عودة قرابة نصف أهل المخيم وحتى العائدين سيعودون إلى أحياء سيتعرفون عليها من جديد حال عودتهم.
إذن ما المطلوب الآن ؟ المطلوب بالحد الأدنى حراكا شعبيا يتجاوز طولكرم وجنين ليشمل كل المدن الفلسطينية بما يجعله ينتقل للعواصم العربية والأوروبية، يرافق ذلك تركيزا إعلاميا لكل وسائل الإعلام الفلسطينية وبمختلف اللغات بما يؤثر على أجندة الإعلام الأجنبي ويلفت انتباههم لحجم الكارثة، ويحيط بكل ذلك جهدا سياسيا ودبلوماسيا بمختلف المحافل الدولية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.