عالقون على الطريق: حياة الفلسطيني خلف الحواجز الإسرائيلية
15 ديسمبر 2025
يمارس الاحتلال في الضفة الغربية سياسة عقاب جماعي ممنهجة تهدف إلى التضييق على المواطنين، عبر فرض قيود مشددة على حرية الحركة، وتكثيف استخدام الحواجز العسكرية على نحو غير مسبوق. يجد المواطنون أنفسهم عالقين لساعات طويلة داخل مركباتهم، قبل أن يخضعوا لعمليات تفتيش دقيقة وإجراءات مهينة ترقى إلى مستوى التعذيب النفسي، فيما يظل خطر الاعتقال دون سبب واضح حاضرا في كل لحظة، أو التعرض لإطلاق نار من جنود يتعامل بعضهم مع السلاح بوصفه أداة للترهيب أو الاستفزاز.
وتبدو الحواجز المنتشرة بين القرى والمدن في الضفة الغربية كأنها ثكنات عسكرية مكتملة، يقف عليها جنود مدججون بالسلاح، تعلوها بوابات إلكترونية مزودة بحساسات وكاميرات مراقبة، وخلفها تمتد طوابير طويلة من المركبات المتكدسة، تنتظر الإذن بالعبور في مشهد يومي يتكرر بلا نهاية.
وقد بات سكان الضفة يحفظون أسماء هذه الحواجز عن ظهر قلب، حتى غدت جزءا من لغتهم اليومية، وأنشأوا مجموعات خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي لمتابعة أوضاعها لحظة بلحظة، فتتردد فيما بينهم عبارات مثل: "قلنديا سالك" أو "زعترة زحمة"، في تعبير مكثف عن واقع أصبحت فيه الحواجز عنصرا ثابتا من تفاصيل الحياة.
في هذا السياق، نتحدث إلى عدد من المواطنين الذين يضطرون يوميا للتنقل بين مدن وقرى الضفة الغربية لقضاء أعمالهم، فيُجبرون على الانتظار لساعات طويلة ويتعرضون لتفتيش مهين. يروون ما يعنيه الانتظار في قاموسهم، وما يعنيه أن تكون فلسطينيا محروما من أبسط حقوقك، حق حرية الحركة الذي تكفله المواثيق الدولية، ويتحدثون عن معاناة وتجارب مثقلة بالوجع، وعن حياة تتحول فيها الطريق إلى اختبار صبر يومي لا ينتهي.

تضطر نقاء حامد إلى عبور الحواجز الإسرائيلية نحو ثلاث مرات أسبوعيا، فيتحول يوم التنقل عبرها إلى يوم ثقيل ومشحون بالضيق. تراقب ساعتها عشرات المرات وهي عالقة في طابور الانتظار، خصوصا أنها تعمل صحافية ومرتبطة بمواعيد دقيقة مع الضيوف، لكنها تجد نفسها مجبرة على الاعتذار مرارا عن التأخير، الذي قد يصل أحيانا إلى ثلاث ساعات، فقط لأنها تقف على الحاجز بلا أي قدرة على إيجاد حل لهذه المعضلة المفروضة.
"كنت على حاجز عورتا في إحدى المرات، مرت ساعات وأنا أنتظر، فقررت أن أعد تقريرا مصورا عن معاناتنا على الحواجز. أخذت الموافقة من عملي، وصورت التقرير وأرسلته للنشر السريع".
ما بين حواجز عناب ودير شرف والكونتينر، تتنقل نقاء باستمرار، وتحاول استثمار الوقت قدر الإمكان حتى لا يضيع هباء. تستعيد لحظة أصابها فيها الملل داخل السيارة قائلة: "كنت على حاجز عورتا في إحدى المرات، مرت ساعات وأنا أنتظر، فقررت أن أعد تقريرا مصورا عن معاناتنا على الحواجز. أخذت الموافقة من عملي، وصورت التقرير وأرسلته للنشر السريع".
وفي سيارة الصحافة التي تستقلها نقاء برفقة زملائها، تتعرض لتضييقات مضاعفة مقارنة بالمواطنين الآخرين، إذ يخضعون للتحقيق أكثر من مرة، وتُفتّش مركبتهم بدقة مشددة. وتضيف، مستذكرة وصولها من رام الله إلى طوباس بعد ثلاث ساعات بدلا من نصف ساعة: "أحيانا نضطر لسلوك طرق التفافية، لكن هذا بدوره يستغرق وقتا أطول. في كلتا الحالتين نصل إلى مكان عملنا، أنا وكل فريقي، منهكين ومستنزفين".
لم تختلف معاناة المواطن سعيد بكر من نابلس كثيرا عن تجربة نقاء، إذ يُجبر بحكم عمله موزعا للبضائع على التنقل يوميا بين مدينته ومدن وقرى شمال الضفة الغربية. يقول بصوت مثقل بالوجع: "أنا أسير سابق، حاولت التخلي عن هذا العمل، لكن قلة فرص العمل ومسؤوليتي في إعالة أسرتي جعلتني مضطرا للاستمرار، وقد تعرضت لمواقف قاسية ومتكررة على الحواجز من قبل الجنود".
ويضيف، وهو يصفق كفيه ببعضهما تعبيرا عن القهر: "في إحدى المرات، وبسبب تاريخ اعتقالي في السجون الإسرائيلية، احتجزني الجنود لخمس ساعات تحت الشمس الحارقة، بينما تركوا ابني الصغير، الذي لا يتجاوز العاشرة من عمره، وحيدا داخل السيارة. كلما حاولت أن أشرح لهم وضع الطفل العالق وحده، تعرضت للضرب والإهانة. أحيانا يوقفونني طوال النهار وفقا لمزاجهم، وهذه ليست حادثة واحدة، بل تكررت مرات عديدة".
"نسينا أحلامنا الكبيرة، وكل ما نريده اليوم هو الأمان والاستقرار، أن نخرج ونحن واثقون أننا سنعود مرة أخرى، لا أن نمضي في طريق مجهول".
يعيش سعيد بين قلق دائم وخوف مستمر من الاعتقال مرة أخرى، ويتابع أخبار الحواجز التي بات اجتيازها يستغرق أضعاف الوقت الطبيعي، ليبقى العبور رهنا بمزاج الجنود. ويقول: "الحاجز شكل من أشكال التعذيب النفسي، يُضاف إلى سلسلة الهموم اليومية. قد تخرج من مدينتك ولا تعلم إن كنت ستعود، وقد تُعتقل في أي لحظة. آلاف السيناريوهات تضعك في حالة خوف دائم".
ويختم حديثه قائلا: "نسينا أحلامنا الكبيرة، وكل ما نريده اليوم هو الأمان والاستقرار، أن نخرج ونحن واثقون أننا سنعود مرة أخرى، لا أن نمضي في طريق مجهول".
ومن الجدير ذكره أن حواجز الاحتلال، التي تلتهم جزءا كبيرا من طرقات الضفة الغربية، تفتقر إلى أبسط المقومات الإنسانية؛ فلا مرافق صحية، ولا مياه، ولا أماكن لشراء الطعام. كل ما يفعله المحتجزون هو البقاء داخل سياراتهم لساعات طويلة، في انتظار مصير لا يمكن التنبؤ به.

"يمارسون علينا سياسة عقاب جماعي وحرب أعصاب شديدة"، بهذه الكلمات تختصر صفاء هندية تجربتها مع الحواجز، وهي التي باتت تمتنع عن التنقل وتؤجل مشاويرها إلى أي مدينة خارج نابلس. ترى صفاء أن الحركة نفسها تحولت إلى حرب خفية يشنها الاحتلال على الفلسطينيين، وتقول: "ما إن أخرج من المدينة حتى تبدأ الحرب في رأسي: كم ساعة سأنتظر على الحاجز؟ هل سأتعرض للتحقيق؟ هل يمكن أن يعتقلوني؟ ماذا عن طفلي إن كان معي؟ ماذا لو حدث لي شيء وأنا على الحاجز؟".أسئلة كثيرة بلا إجابات واضحة، تلاحقها في كل مرة تقرر فيها مغادرة المحافظة.
في إحدى المرات، اضطرت صفاء إلى التوجه لمدينة قلقيلية لإنهاء بعض المعاملات الرسمية. الطريق التي تستغرق عادة نحو نصف ساعة فقط، امتدّت لأكثر من ثلاث ساعات، بعدما قررت تفادي الحاجز وسلوك طرق التفافية خوفا من المواجهة. تضيف: "كان الطريق جبليا وعرا، وفجأة هطلت الأمطار، وغاصت السيارة في الطين. كنا بحاجة لمعجزة لنخرج من هناك، وبعد ساعتين من المحاولات المتواصلة تمكّنا أخيرا من النجاة من تلك المتاهة".
بلغ عدد الحواجز في الضفة الغربية 898 حاجزا، من بينها 18 بوابة حديدية، و146 حاجزا نُصبت منذ بداية العام الحالي.
وتستعيد صفاء مشهدا آخر لا يفارق ذاكرتها، حين كانت على أحد الحواجز تحاول تمضية الوقت بتصفح هاتفها، قبل أن يفاجئها صوت صراخ. رفعت رأسها لترى طفلا لا يتجاوز الثامنة من عمره يتعرض للضرب على يد جندي أنزله بالقوة من السيارة، فقط لأنه نظر إليه بنظرة غضب. تقول: "على الحواجز لا يحق لك أن تعترض، ولا حتى أن ترفع عينيك بنظرة لا تعجب الجندي. الطفل لم يحتمل ساعات الانتظار الطويلة، فعبّر عن ملله بنظرة، وكانت النتيجة الضرب وسلاح موجّه إلى رأسه. والديه لم يستطيعا فعل شيء، فالجندي قادر على إطلاق النار دون أن يُحاسب".
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، يبلغ عدد الحواجز في الضفة الغربية 898 حاجزا، من بينها 18 بوابة حديدية، و146 حاجزا نُصبت منذ بداية العام الحالي. وتتوزع هذه الحواجز على مختلف المناطق، حيث تتصدر محافظة الخليل القائمة بـ229 حاجزا، تليها رام الله بـ156 حاجزا وست بوابات، ثم نابلس بـ148 حاجزا. وفي القدس يوجد 82 حاجزا وبوابة واحدة، وفي بيت لحم 65 حاجزا وأربع بوابات، وسلفيت 50 حاجزا وبوابة واحدة، وقلقيلية 53 حاجزا وبوابتين، وأريحا 32 حاجزا وبوابتين، وطوباس 33 حاجزا، وطولكرم 27 حاجزا، وجنين 24 حاجزا. أرقام تعكس حجم الحصار اليومي الذي يحوّل التنقل في الضفة الغربية إلى معركة مفتوحة مع الوقت والخوف والإذلال.
أما يسرا عبد الرحمن، الطالبة في جامعة النجاح الوطنية، كلية الزراعة والطب البيطري في مدينة طولكرم، والمقيمة في رام الله، فتقول إنها تُجبر على عبور الحواجز العسكرية أربع مرات أسبوعيا. توضّح: "أمرّ عادة عبر حواجز عين سينيا وترمسعيا وجبارة بين رام الله وطولكرم، وأحيانا عبر صرّة أو المربّعة أو عورتا، أو حاجز شمرون بين نابلس ورام الله أو بين نابلس وطولكرم، هذا عدا الحواجز الطيّارة التي تظهر فجأة ككمائن تقطع النفس وتعيد ترتيب حسابات النهار بأكمله".
تضيف يسرا: "تبدّلت حياتنا بالكامل مع واقع الحواجز الجديد. لم تعد مجرد نقاط على الطريق، بل صارت جزءا من يومنا وأعصابنا. حتى هواتفنا باتت مربوطة بمجموعات "أحوال الطرق"، نتابعها بقلق دائم، وكأن حياتنا معلّقة بخبر صغير يقول: الطريق سالك أو مغلق".
وعن كيفية التعامل مع ساعات الانتظار الطويلة، تقول يسرا: "أحاول دائما تحضير برنامج أو مهام مسبقة لاستغلال الوقت، حتى لا يتحول الحاجز إلى مساحة استنزاف كامل، بل إلى وقت إنجاز قسري".
وتستعيد يسرا سلسلة من المواقف القاسية التي واجهتها، إذ احتُجزت في إحدى المرات ست ساعات على الحاجز، ما أدى إلى فوات امتحان جامعي، قبل أن تضطر الجامعة لتأجيله لها. وتردف: "في يوم آخر، قررت الذهاب إلى سكن الطالبات قبل موعد الدوام بيوم كامل، لتفادي مفاجآت الحواجز. كنت في باص عمومي يضم سبعة ركاب والسائق، فأوقفنا الجندي دون سبب، وفتح الباب بعنف، وطلب الهويات من الجميع، ثم طلب الهاتف مني ومن شاب يجلس في المقعد الأمامي فقط. في تلك اللحظة اجتاحني خوف شديد".
وتشير إلى أنها كانت قد حذفت مسبقا كل ما قد يعرّضها للأذى من هاتفها المحمول، ورغم ذلك طلب الجندي تفتيش هاتفها وتصفّح ألبوم صورها الخاصة، في مشهد يعكس حجم الانتهاك للخصوصية الذي يرافق هذه الإجراءات.
وعن كيفية التعامل مع ساعات الانتظار الطويلة، تقول يسرا: "أحاول دائما تحضير برنامج أو مهام مسبقة لاستغلال الوقت، حتى لا يتحول الحاجز إلى مساحة استنزاف كامل، بل إلى وقت إنجاز قسري".
تنص المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل فرد في حرية الحركة، فيما تكفل المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حرية التنقل دون قيود.
ومن وجهة نظرها، "للحاجز صورتان؛ الأولى، في بداية الحرب، كانت هالة كثيفة من الخوف والتوتر والضرب والتنكيل والاعتقال واستنزاف الوقت، ومع تكرار المشهد تقلّصت هذه الهالة. بدل أن ننجح في مقاومة الاعتياد على هذا الواقع القاسي، وجدنا أنفسنا نتأقلم معه، ونُعيد تشكيل تفاصيل يومنا بما يناسبه".
ولم تقتصر آثار الحواجز الإسرائيلية على الجانب الإنساني فحسب، بل امتدت لتطال الاقتصاد والبيئة. فقد أظهرت دراسة أعدها معهد الأبحاث التطبيقية "أريج"، بعنوان "تقييم الآثار الاقتصادية والبيئية للقيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على حركة وتنقل المواطنين الفلسطينيين بين مدن وقرى الضفة الغربية"، أن الفلسطينيين في الضفة الغربية يخسرون نحو 60 مليون ساعة عمل سنويا، بكلفة تُقدّر بحوالي 270 مليون دولار. كما يُستهلك وقود إضافي يقدّر بنحو 80 مليون لتر سنويا، بتكلفة تصل إلى 135 مليون دولار، ما يؤدي إلى زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 196 ألف طن سنويا.
وعلى الصعيد القانوني، تنص المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل فرد في حرية الحركة، فيما تكفل المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حرية التنقل دون قيود. ويُعد ما تمارسه قوات الاحتلال في الضفة الغربية من نصب للحواجز انتهاكا واضحا وصريحا لهذه المواثيق الدولية.
تبقى الحواجز الإسرائيلية أحد أكثر المشاهد اليومية قسوة في حياة الفلسطينيين، حيث يفقد الناس جزءا من كرامتهم وهم ينتظرون العبور، محاولين مواصلة حياتهم وسط واقع معقد ومثقل بالقهر. قصصهم تشهد على جغرافيا متاهة فُرضت بالقوة، وتبقى الآمال معلّقة بلحظة زوال الحواجز وسقوط هذا النظام الذي صادر الطريق والوقت والكرامة.