هل يسعى الاحتلال إلى تحويل الضفة إلى "سجن ذاتي"؟
11 ديسمبر 2025
لا تكاد تمر ليلة في الضفة الغربية دون أن ينفذ الاحتلال حملات اعتقال واسعة تطال عشرات الشبان، خاصة من الأسرى المحررين والنشطاء ومن يُعرفون بتأييدهم للمقاومة. المقصود هنا ليس الحملات التقليدية التي لم تتوقف منذ عقود، بل التركيز المنهجي الذي يتبعه الاحتلال مؤخرا بتنفيذ نشاط عسكري ليلي متكرر في قرية أو قريتين أو مدينة ومخيم على سبيل المثال، حيث يتم اعتقال عشرات الشبان من كل بلدة ونقلهم إلى منزل يتم السيطرة عليه وتحويله إلى ثكنة عسكرية، ثم يتم الإفراج عنهم جميعا بعد عدة ساعات من التحقيق والتهديد والوعيد وربما الاعتداء الجسدي.

قد يبدو هذا الإجراء بسيطا للناظر من بعيد؛ فهو اعتقال مؤقت لا يستمر إلا ساعات، ما يدفع العائلات والأصدقاء والدائرة المقربة من الشخص الذي يتم اعتقاله إلى الفرح بالإفراج السريع، على اعتبار أن ذلك أهون وأقل ضررا من اعتقال يدوم لأشهر وسنوات ولكن، لا مبالغة في القول إن خطورة هذه الاعتقالات المتكررة لا تقل عن خطورة الاعتقالات الطويلة.
يكمن السر في أن الاحتلال، الذي تنطلق عقيدته الأمنية في الضفة من سياسة "جز العشب" - أي تحييد الخطر قبل أن ينمو ويقع - خطى خطوة جديدة في التعامل مع النشطاء. حيث بات الاحتلال يُشعر هؤلاء الأفراد بأن "زائر الليل" سيطرق بابهم في أي لحظة وبشكل مستمر، مما يدفعهم للعيش في حالة دائمة من "الرقابة الذاتية" ونوع من "الأزمة النفسية". فليس لهم نهار يتحركون فيه بحرية، نتيجة كثرة الاقتحامات والحواجز وخشيتهم من المرور عبرها، ولا ليل يمكن النوم فيه بهدوء، حتى لمن قرروا الانزواء عن الأحداث الوطنية تجنبا للاعتقال.
هذا النمط من الإرهاب النفسي يعتقد الاحتلال أنه يضمن له هدوءا نسبيا بغض النظر عن كونه هدوءا زائفا قد يتحول إلى انفجار في أي لحظة.
ولعل الأثر التراكمي لهذه السياسة يصل إلى حد شلّ الحركة الاجتماعية والوطنية. فبدلا من أن يحتاج الاحتلال إلى جهاز مخابرات يراقب كل فرد، يصبح الفرد هو رقيبه الخاص الذي يخشى حتى التعبير عن رأيه أو حضور مناسبة اجتماعية خوفاً من أن تكون هي "الشرارة" التي تجلب "زائر الليل" إلى منزله في المرة القادمة. هذا النمط من الإرهاب النفسي يعتقد الاحتلال أنه يضمن له هدوءا نسبيا بغض النظر عن كونه هدوءا زائفا قد يتحول إلى انفجار في أي لحظة.

حالة الرقابة الذاتية هذه هي ما يسعى إليه الاحتلال؛ فهو يريد أن يحوّل الضفة الغربية بأكملها إلى سجن كبير يعيش فيه الأسرى المحررون والنشطاء و"أصحاب السوابق" (وفق مصطلحات الاحتلال)، حيث ينحصرون داخل قراهم وبلداتهم ويتجنبون حتى التواصل مع الأصدقاء، خشية أن يُساء فهم علاقاتهم والهدف هو حبس الناس في بيوتهم وبلداتهم ذاتيا، دون الحاجة لحبسهم فعليا.
على الأرض، حوّل الاحتلال الضفة الغربية إلى كانتونات ومعازل عبر إجراءاته الميدانية من حواجز وبوابات وسواتر ترابية ومكعبات إسمنتية، وتشير الإحصائيات الرسمية إلى وجود حاجز أو بوابة لكل 6 كم مربع في الضفة. وها هو الآن يرفع السقف مجددا، ليخلق داخل هذه المعازل الكبيرة (المدن والقرى) معازل أصغر، يعزل بها من يخشى تحركهم عن محيطهم الجغرافي والبشري أيضا، ويجعلهم يعيشون في حالة من التوجس الدائم والتوهم المستمر.
على الأرض، حوّل الاحتلال الضفة الغربية إلى كانتونات ومعازل عبر إجراءاته الميدانية من حواجز وبوابات وسواتر ترابية ومكعبات إسمنتية، وتشير الإحصائيات الرسمية إلى وجود حاجز أو بوابة لكل 6 كم مربع في الضفة.
وبالطبع، يسعى الاحتلال لتحقيق أهداف أخرى من هذه السياسة. فهو يعتقد أن البلدة التي يدخلها ويحتجز منها عشرات الشبان ويُطلق لهم سيل التهديدات، ستتلقى رسالة الردع هذه بالكامل. فالناس ينقلون أخبار الاقتحامات وما فعله الاحتلال، ويتحدث المحتجزون بأنفسهم بعد الإفراج عنهم إلى دائرتهم المقربة، ليصل التهديد والوعيد إلى كل فرد في البلدة، وبذلك يظن الاحتلال أنه يحقق معادلة الردع التي يريدها، على الرغم أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن هذه السياسات على الرغم من كونها غير مسبوقة في تاريخ الضفة الغربية إلى أنها لم تنجح في إيقاف سلسلة الخسائر في صفوف الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه وإن كانت قللت منها لكن استمرارها بهذا النسق والكثافة قد يؤدي لنتائج عكسية قد يصعب على الاحتلال تحملها.