هنا يلعب الفلسطينيون ضد الجدار
8 ديسمبر 2025
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم يكن أطفال مخيم عائدة بحاجة إلى معجزة ليهربوا قليلا من وطأة الجدار، ولا إلى أكثر من رقعة خضراء تتيح لهم أن يركلوا التعب بعيدا، وأن يحلموا كما يحلم كل أطفال العالم. لكن، في المكان الذي تظللّه الأبراج العسكرية وتضيق فيه الأزقة كأنها تئنّ، حتى الحلم يصبح ترفا، والملعب يصبح آخر نافذة للهواء. نافذة قرر الاحتلال إغلاقها.
تحت ظلال جدار الفصل، حيث يرتسم على الخرسانة طفلان يركلان الكرة فوق خريطة فلسطين التاريخية وشعار الحرية والعدالة، يمدّ مخيم عائدة شمالي بيت لحم أطرافه المتعبة، نحو سبعة آلاف إنسان، بينهم ألفان وخمسمئة طفل، يعيشون في مساحة لا تتجاوز نصف كيلومتر، محاصرون بحواجز وبؤر عسكرية وسبعة أبراج مراقبة تراقب أنفاسهم أكثر مما تراقب حدودا.
في هذا المكان، كان الملعب أكثر من عشب اصطناعي بسط عام 2021. كان متنفسا وحيدا لأطفال ينامون على صوت الجدار ويستيقظون على ظله، وفتيات حلمن بالوصول إلى المنتخبات الوطنية، وبعضهن حققن ذلك بالفعل. ملعب صغير، لكنه كان يفتح بوابة واسعة نحو المستقبل.

في صباح بارد قبل أسبوعين، وجد الأطفال ورقة مُثبتة على بوابة الملعب: أمرٌ بوقف النشاط، تمهيدا للهدم. ثم جاءت إشعارات مماثلة للمسرح القريب وللحديقة المجاورة. أطفال لم يدركوا نص القانون، لكنهم فهموا أن شيئا ما يُنتزع منهم مرة أخرى. بعضهم عاد إلى بيته يطرق أبواب الكبار، يخبرهم أن مساحة الضوء قد تُمحى.
الملعب مقام على أرض تملكها الكنيسة الأرمنية، تؤجّرها منذ أكثر من عشرين عاما لاستخدام أهل المخيم. لطالما كان المكان مجرد ساحة ترابية قبل أن يتحول إلى ملعب مجهز، لكن قربه من الجدار جعله دائما في دائرة التهديد. فالاحتلال يرى في الفرح بناء "غير مرخّص"، وفي اللعب تجاوزا لـ "لقوانين العسكرية".
في صباح بارد قبل أسبوعين، وجد الأطفال ورقة مُثبتة على بوابة الملعب: أمرٌ بوقف النشاط، تمهيدا للهدم. ثم جاءت إشعارات مماثلة للمسرح القريب وللحديقة المجاورة.
ومع ذلك، لم يتغير شيء في المنطقة منذ سنوات. الأرض نفسها، الساحة نفسها، الأطفال أنفسهم. أما السؤال الذي يردده أهالي المخيم اليوم فهو: لماذا الآن؟ لماذا يصبح الملعب فجأة "خطرا" رغم أنه قائم منذ عقود؟ ولماذا يُطلب من الفلسطينيين إظهار تراخيص لا يحتاجها سوى المحتل؟
في المخيم، الفتيات اللواتي يرتدين قمصان فلسطين ويحملن أحلام المشاركة الدولية، يشعرن أن الركلة القادمة قد تكون الأخيرة. "الملعب كان ملاذنا، الملعب كان مساحة لنفسي"، تقول إحدى اللاعبات وهي تنظر إلى الجدار الذي يبتلع الأفق: "إذا هدموه، أين سنذهب؟".

بينما يتابع أهالي المخيم تهديد الهدم، كان العالم العربي يتابع انتصارات المنتخب الفلسطيني في كأس العرب. أطفال المخيم كانوا يحتفلون بفوز "الفدائي" من نفس الملعب الذي يُهدد الآن. كانوا يركضون بعد كل هدف، يقلّدون الهجمة، يعيدون صياغة الفرح الذي شقّ طريقه رغم الحصار.
والآن، في اللحظة التي يرفع فيها الفدائي راية الانتصار، تتجه جرافات الاحتلال لدفن المساحة الوحيدة التي تجعل هؤلاء الأطفال يحلمون بأن يكونوا جزءًا من هذا المجد يومًا ما.
بينما يتابع أهالي المخيم تهديد الهدم، كان العالم العربي يتابع انتصارات المنتخب الفلسطيني في كأس العرب. أطفال المخيم كانوا يحتفلون بفوز "الفدائي" من نفس الملعب الذي يُهدد الآن.
ورغم تهديدات الهدم، ما زال الملعب يضجّ بالحياة كلما سنحت لحظة لعب. الأولاد والبنات يتدربون كأنهم يقاومون بالركض، وكأن كل ضربة كرة تقول إن الفرح حقّ، وإن الحلم أقوى من الجدار.
وفي المخيم الضيق، يردد الأهالي حقيقة يعرفونها جيدا: قد تُهدم الحجارة، لكن الحلم لا يُهدم. والملعب الذي يريد الاحتلال طمسه، زرع في قلوب الأطفال حبّا وأملا لن يختفي.