الموت في الزنزانة: حين يصبح الاعتقال حكما بالقتل
16 نوفمبر 2025
يتواصل نزيف الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال، في مشهد يعرّي وحشية السجّان ويكشف حجم الجريمة الممتدة خلف القضبان. فاستشهاد الأسير محمد حسين محمد غوادرة، ابن الثالثة والستين من بلدة بير الباشا قضاء جنين، داخل سجن "جانوت" بعد أكثر من عام على اعتقاله، ليس حدثا عابرا في سجل الانتهاكات الإسرائيلية، بل دليل جديد على سياسة ممنهجة تستهدف حياة الإنسان الفلسطيني حتى وهو محاصر داخل زنزانته.

برحيل غوادرة يرتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ اندلاع حرب الإبادة إلى واحد وثمانين شهيدا، فيما بلغ العدد التراكمي منذ عام 1967 ثلاثمئة وثمانية عشر شهيدا، بينهم تسعة وثمانون جثمانًا يحتجزها الاحتلال ويرفض تسليمها، منهم ثمانية وسبعون أسيرا استشهدوا منذ اندلاع الحرب الأخيرة.
هذه الأرقام ليست إحصاءات صامتة، بل علامات دامية على عقيدة عقابية لا تتوقف، تُمارس القتل بوسائل متعددة: إهمال طبي متعمد يترك المرض يتفشى دون دواء، وتعذيب جسدي ونفسي يهدف إلى كسر الإنسان من داخله، وزنازين انفرادية تُخضع الأسير لعزلة مطلقة، وظروف اعتقال قاسية تحوّل السجن إلى بيئة موت بطيء تتآكل فيها الأجساد والروح معا. ومع اندلاع الحرب الأخيرة، تضاعف التنكيل وتشددت الإجراءات حتى أصبحت حياة الأسير اليومية شكلاً من أشكال العقاب الجماعي المقصود.

أمام هذا الواقع، تبدو الحاجة إلى تحرك وطني ودولي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فدماء الشهداء خلف القضبان تفرض مواجهة قانونية جادة تسعى إلى تثبيت الإهمال الطبي والقتل العمد كجرائم حرب تستوجب الملاحقة والمسؤولية. كما يصبح دور المؤسسات الحقوقية أكبر من مجرد بيانات، بل رصدا يوميا وتوثيقا دقيقا يفضح الممارسة الإسرائيلية على المنابر الدولية. ويلقى الإعلام الفلسطيني والعربي مسؤولية لا تقل أهمية، إذ يتعين أن تتحول قضية الأسرى إلى رواية حاضرة، تُقدَّم بوصفها معاناة إنسانية وجرحًا سياسيًا مفتوحًا، لا ملفًا هامشيًا يُستدعى عند الحاجة.
شهاد محمد غوادرة ليس فصلا أخيرا ولا قصة فردية تنتهي عند باب السجن، بل حلقة جديدة في سلسلة من القتل الممنهج الذي يستهدف من تبقى واقفا خلف القضبان.
ولا يقلّ دور الشارع والحراك الشعبي أهمية، فصوت الناس هو الامتداد الطبيعي لصوت الأسير، وهو ما يحتاج إليه الأسرى اليوم في معركتهم الطويلة داخل السجون. أما دعم الحركة الأسيرة وعائلاتها فهو واجب وطني وأخلاقي، فهؤلاء الأسرى لا يخوضون معركتهم وحدهم؛ إنهم أبناء شعب يدفعون من أجسادهم ثمنا للثبات والكرامة والحرية.
استشهاد محمد غوادرة ليس فصلا أخيرا ولا قصة فردية تنتهي عند باب السجن، بل حلقة جديدة في سلسلة من القتل الممنهج الذي يستهدف من تبقى واقفا خلف القضبان. إنهم ليسوا أرقاما تُضاف إلى سجل طويل، بل قامات وطنية تُقاتل بصبرها وعنادها، وتذكّرنا بأن الحرية ليست وعدا بعيدا، بل حقا مكتوبا بدمائهم، حق سيأتي مهما طال الزمن.