بين قاعة الدرس وبندقية الجندي: يوميات طالب فلسطيني
10 نوفمبر 2025
يشكّل العبور اليومي من خلال الحواجز العسكرية عند الطلبة الجامعيين الفلسطينيين تجربة نفسية قاسية تتجاوز التعب الجسدي وتأخر الحضور، وتترك ندوبا نفسية واجتماعية عميقة في نفوس الطلبة الجامعيين. التوتر النفسي هو الرفيق الدائم للطالب الفلسطيني منذ لحظة خروجه من المنزل وحتى عودته سالما آخر اليوم، إن عاد في الوقت أصلا. ففكرة المرور عبر حاجز مسلّح كافية لإثارة القلق: ماذا لو تأخرت اليوم؟ ماذا لو أهانني الجندي أمام الجميع؟ ماذا لو اعتُقلت عشوائيا دون سبب؟ هذه التساؤلات باتت تشكل خلفية ذهنية يومية، تزرع القلق المزمن في نفوس الطلبة. فكل إغلاق مفاجئ لحاجز يعني ساعات من الهلع للأهل والخوف والضغط العصبي للطلبة العالقين.
وليس غريبا أن الكثير من الطلبة يعانون أعراضا تشبه اضطراب ما بعد الصدمة على المدى الطويل: كوابيس عن مواقف الحاجز، استرجاعات ذهنية لمشاهد الإذلال، وتوتر مفرط عند الاقتراب من أي نقطة تفتيش.

من أبرز الآثار أيضا الشعور بالعزلة الاجتماعية; فالطالب الذي اعتاد على روتين انتظار الحواجز وربما تفويت المحاضرات والأنشطة، يجد نفسه تلقائيا مستبعدا من الحياة الجامعية الطبيعية. هو يصل متأخرا وينصرف مبكرا ليتجنب أسوأ أوقات الازدحام على الحاجز، فلا يكاد يشارك في الأنشطة الطلابية أو اللقاءات الاجتماعية بعد الدوام. هذا الوضع يقلل اندماج الطالب مع زملائه ويحدّ من مشاركته في النوادي الطلابية والفعاليات الثقافية أو الرياضية في الجامعة، مما يعمّق لديه شعور الوحدة. حتى على الصعيد العائلي، قد يشعر الطالب بالعزلة عن محيطه الاجتماعي؛ إذ يقضي جل يومه متنقلا أو منتظرا، ويعود منهكا نفسيا وجسديا لا يكاد يجد متسعا للتفاعل مع الأسرة أو الأصدقاء. تقول إحدى الطالبات: "رحلتي اليومية تجعلني أشعر وكأني أعيش في عالم آخر غير الذي يعيش فيه زملائي المقيمون قرب الجامعة؛ فهم يناقشون المحاضرات والنشاطات، وأنا كل همي أن أصل إلى البيت قبل حلول الظلام"، في إشارة إلى أن حياتها تدور حول التنقل ومخاطره أكثر مما تدور حول الدراسة نفسها.
من أبرز الآثار أيضا الشعور بالعزلة الاجتماعية; فالطالب الذي اعتاد على روتين انتظار الحواجز وربما تفويت المحاضرات والأنشطة، يجد نفسه تلقائيا مستبعدا من الحياة الجامعية الطبيعية.
لا تقتصر الآثار الاجتماعية على الطلبة أنفسهم فقط، بل تمتد إلى مجتمع الجامعة ككل. عندما يتغيب عدد كبير من الطلاب بسبب إغلاقات الحواجز، أو يصلون متأخرين ومنهكين، تتراجع روح الحياة الجامعية. تقل نسبة الحضور في المحاضرات أحيانا بشكل ملحوظ عقب تصعيد أمني أو تشديد على الحواجز، فتفرغ المقاعد وتصبح الكلية وكأنها شبه مشلولة. كما أن ديناميكية التفاعل داخل الصفوف تضطرب؛ فالطالب القلق أو المحبط سيكون أقل مشاركة وفعالية في النقاشات الصفية. وقد لاحظ أساتذة عدة أن الطلبة الذين يمرون بتجارب قاسية يوم الامتحان – كأن يُحتجزوا على حاجز أو يشهدوا عنفا – يبدون شرودا وتوترا في قاعة الامتحان وربما يفشلون في تحقيق النتائج المتوقعة منهم.
عندما يتغيب عدد كبير من الطلاب بسبب إغلاقات الحواجز، أو يصلون متأخرين ومنهكين، تتراجع روح الحياة الجامعية. تقل نسبة الحضور في المحاضرات أحيانا بشكل ملحوظ عقب تصعيد أمني أو تشديد على الحواجز، فتفرغ المقاعد وتصبح الكلية وكأنها شبه مشلولة.
من المؤشرات العلمية على جسامة هذه الآثار ما كشفته دراسة ميدانية نفسية اجتماعية أُجريت في جامعة القدس المفتوحة – فرع طولكرم، حيث يعبر الطلبة هناك حواجز ثابتة يوميًا. وجدت الدراسة أن أثر الحواجز على الطلبة كان كبيرًا وشاملاً، بدرجة بلغت 74% على مقياس التأثير الكلي، وهي نسبة مرتفعة تشير إلى أن ثلاثة أرباع المشكلات النفسية والاجتماعية المحتملة تحققت فعليًا بفعل الحواجز. ورصدت الدراسة أيضًا معطيات صادمة: فحوالي ثلث الطلاب (29.5%) اضطروا لتأجيل دراستهم فصلًا دراسيًا أو أكثر بسبب الحواجز؛ أي إن هناك من أُجبر عمليًا على إيقاف مسيرته التعليمية مؤقتًا نتيجة الضغط النفسي والجسدي المزمن. كما أن نحو ثلثي الطلبة (67%) فاتتهم امتحانات واحدة أو أكثر ولم يتمكنوا من أدائها في مواعيدها بسبب التأخيرات والاحتجاز على الحواجز. والأسوأ أن 14% من هؤلاء الطلبة اضطروا إلى تغيير مكان سكنهم والانتقال للإقامة قرب الجامعة أو في مدينة أخرى هربًا من جحيم التنقل اليومي – خطوة كهذه تعني اقتلاع الطالب من بيئته الاجتماعية والأسرية وإثقال كاهل أسرته بتكاليف إضافية وترتيبات معيشية جديدة. مثل هذه الأرقام تبرهن أن الآثار النفسية والاجتماعية للحواجز لم تعد خفية أو ثانوية، بل صارت واقعًا موثقًا له انعكاسات طويلة الأمد على الشريحة الجامعية. ولم تغفل الدراسة ملاحظة فروق في التأثر النفسي تبعًا للنوع الاجتماعي؛ حيث لوحظ أن الطلاب الذكور تأثروا نفسيًا واجتماعيًا بدرجة أكبر من الإناث، ربما بسبب استهداف الجنود المتكرر للشبان بالتحديد وخضوعهم لمضايقات أقسى، في حين واجهت الطالبات قيودًا من نوع آخر كخوف الأهل عليهن مما حدّ من تحركهن بحرية.

لا شك أن تكرار مشهد الانتظار والاحتجاز على الحواجز يومًا بعد يوم يقود إلى اختلالات عميقة في العملية التعليمية برمتها في فلسطين. فعندما يُبنى الجدول الدراسي على افتراض انتظام حضور الطلاب في مواعيد محددة، ثم تأتي الحواجز لتمزق هذا الافتراض، تتعطل المنظومة التعليمية أو على الأقل تفقد الكثير من فاعليتها. من اختلال الخطط الدراسية وتأجيل الامتحانات، إلى ضعف التدريب العملي وفقدان التفاعل الأكاديمي، يمكن رصد سلسلة من النتائج السلبية المباشرة وغير المباشرة.
بداية، اضطراب جداول المحاضرات والامتحانات صار أمرًا شائعًا. الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية وجدت نفسها مضطرة للتكيف مع واقع التأخيرات والغيابات القسرية. على سبيل المثال، عند حدوث تشديد أمني في منطقة نابلس أو انتشار حواجز طيّارة صباح يوم امتحان نهائي، تلجأ إدارة الجامعة إلى تأجيل الامتحانات أو إعادة جدولتها حرصًا على مصلحة الطلبة. لقد ذكر الطالب علي دوابشة أن جامعته ومدرّسيه تفهّموا معاناة الطلبة المحتجزين عند الحواجز، فكانوا يؤجلون بعض الامتحانات ويغضّون الطرف عن الغياب القسري. هذا التفهم ضروري بلا شك، لكنه يُربك الخطة الدراسية ويجعل الفصل الدراسي مفتوح النهايات. فما أكثر الامتحانات التي تأجلت إلى غير موعد، وما أكثر المحاضرات التي أُلغيَت أو عُقدت في أوقات طارئة لتعويض طلبة لم يستطيعوا الوصول في الوقت المحدد. ومع تراكم التأجيلات والتعويضات، يفقد العام الأكاديمي إيقاعه المنتظم وتتضرر جودة التعليم، إذ يصعب على الأستاذ والطالب على حد سواء الالتزام بخطة واضحة في ظل هذه الظروف المتقلبة.
كيف لمجموعة طلاب طب مثلًا أن تتنقل بين المستشفيات والمراكز الصحية للتدريب السريري في الوقت المحدد إذا كانت الطرق مغلقة باستمرار؟ وكيف لطلبة الجغرافيا أو العلوم البيئية أن يقوموا برحلات دراسة حقلية إلى مناطق مختلفة في الضفة إذا كانت معظم الطرق تحمل مخاطرة الاعتقال أو المنع؟
أضف إلى ذلك أن التدريب العملي والتطبيق الميداني – وهو عنصر أساسي في بعض التخصصات – بات هو الآخر ضحية للواقع المفروض. فالطالب في كلية الزراعة أو الطب أو الهندسة الذي يحتاج للخروج في رحلات علمية أو تدريب عملي خارج أسوار الجامعة، يواجه عراقيل مضاعفة. كيف لمجموعة طلاب طب مثلًا أن تتنقل بين المستشفيات والمراكز الصحية للتدريب السريري في الوقت المحدد إذا كانت الطرق مغلقة باستمرار؟ وكيف لطلبة الجغرافيا أو العلوم البيئية أن يقوموا برحلات دراسة حقلية إلى مناطق مختلفة في الضفة إذا كانت معظم الطرق تحمل مخاطرة الاعتقال أو المنع؟ النتيجة هي إلغاء أو تقليص الكثير من الأنشطة العملية والاستعاضة عنها بأنشطة نظرية أقل فعالية. وقد تفقد برامج التدريب جودتها إذ يضطر المشرفون إلى تعديل المحتوى ليتناسب مع نطاق الحركة المحدود المتاح للطلبة.
إلى جانب ذلك، تأثرت الأنشطة اللامنهجية التي تعد جزءا مهما من تكوين شخصية الطالب ومهاراته. فالجامعات الفلسطينية لطالما عُرفت بحراك طلابي وثقافي نابض – من معارض فنية وأيام ثقافية إلى نشاطات سياسية واجتماعية. لكن مع صعوبة التنقل، نجد أن كثيرًا من الطلبة يعزفون عن البقاء بعد الدوام لحضور فعالية أو للمشاركة في نادٍ طلابي، خشية أن يتأخروا على حواجز قد تغلق باكرًا أو تشهد إجراءات مشددة مساءً. ووفق إفادات طلابية عديدة، باتت النشاطات تُنظم في إطار ضيق زمنيًا وجغرافيًا، ويحضرها بشكل أساسي الطلبة المقيمون في محيط الجامعة. أمّا القادمون من مدن وقرى أخرى، فيؤثرون السلامة ويغادرون سريعًا. هذه الحالة أدت إلى إفقار الحياة الجامعية من التنوع والحيوية التي تميزها، وأصبحنا نرى جامعات أشبه بمراكز امتحان: يحضر الطالب، يتلقى درسه على عجل، ثم يهرول للانصراف. في المحصلة، يخسر الطلبة فرصا ثمينة لصقل شخصياتهم وتنمية قدراتهم القيادية والتواصلية التي تمنحها تلك التجارب اللامنهجية.
جامعة بيرزيت وحدها تعرضت لعشرين اقتحام منذ 2002، وفي الشهور الأخيرة فقط اقتحمها الجيش مرتين واعتقل طلبة من حرمها بما فيهم رئيس مجلس الطلبة.
وعلى صعيد استراتيجي أشمل، تركت الحواجز بصمتها حتى في بنية التعليم العالي وتوزع الجامعات والتخصصات في فلسطين. من اللافت أن كل مدينة رئيسية في الضفة الغربية باتت تضم جامعة أو فرع جامعة، ليس بالضرورة بسبب الحاجة الأكاديمية فقط، بل بفعل صعوبة تنقل الطلبة بين المدن المختلفة. لقد فرض الاحتلال واقعا جعل الطالب يختار جامعته وتخصصه بناءً على قربها الجغرافي وليس بناء على رغبته أو جودة البرنامج. فتأسست جامعات وكليات في مناطق متقاربة لتخدم أبناء المنطقة الذين لم يعودوا يستطيعون الوصول إلى جامعات بعيدة بسبب الحواجز، وأصبح الكثير من الطلبة – خاصة الإناث – يحصرون طموحهم الأكاديمي ضمن نطاق الجامعة الأقرب إلى مدينتهم أو قريتهم. هذا الأمر حرم كثيرا من الشباب، وخصوصا الطالبات، من اختيار تخصّصات فريدة ربما لا تتوفر إلا في جامعات بعيدة نسبيًا.
ولا يمكن إغفال أثر الاحتلال المباشر في استهداف المؤسسات التعليمية نفسها، فإلى جانب الحواجز، هناك الاقتحامات والاعتقالات الجامعية التي تعمّق جراح التجربة التعليمية. فمنذ مطلع الثمانينيات وحتى اليوم، اعتُقل آلاف الطلبة من داخل جامعاتهم أو على بواباتها ضمن سياسة إسرائيلية لتفريغ الجامعات من الناشطين وقادة المستقبل. جامعة بيرزيت وحدها تعرضت لعشرين اقتحام منذ 2002، وفي الشهور الأخيرة فقط اقتحمها الجيش مرتين واعتقل طلبة من حرمها بما فيهم رئيس مجلس الطلبة. إن هذه الظروف الأمنية القاسية تضرب مفهوم الأمان الأكاديمي في الصميم؛ فحين يشعر الطالب أن جامعته قد تتحول لساحة مواجهة في أية لحظة، أو أن نشاطه الطلابي المشروع قد يقوده إلى المعتقل، فإن ذلك بلا شك يؤثر على تركيزه العلمي وعلى البيئة التعليمية ككل.

يرنو الطالب الفلسطيني إلى المستقبل كما يرنو أي شاب في مقتبل العمر؛ يحمل أحلامًا بمهنة مرموقة، ومساهمة فاعلة في مجتمع ينشد التقدم. بيد أن واقعه اليومي تحت حراب الاحتلال وغياهب الحواجز علّق مستقبله بخيوط رفيعة تتلاعب بها ظروف لا يد له فيها. فكثير من طلاب فلسطين يجدون مسيرتهم التعليمية أطول مما يجب؛ سنة دراسية إضافية هنا أو فصل دراسي مؤجل هناك، بسبب إغلاقات متكررة أو اعتقالات مفاجئة. وهذا يعني دخولهم سوق العمل متأخرين، وتراكم الضغوط الاقتصادية عليهم وعلى أسرهم. البعض قد يفقد الأمل أو الحماس مع الوقت، خاصة إذا رأى زملاءه حول العالم يتخرجون في عمر معين ويمضون قدمًا، بينما هو لا يزال يكافح لينهي متطلبات تخرجه التي تأخرت بلا ذنب منه.
وفي حالات مأساوية، هناك من انقطع مستقبله تمامًا: فالرصاص الذي دوّى على حاجز ما أنهى حياة طالب كان عائدًا من محاضراته، أو الجنود الذين اقتادوا آخر من على بوابة الجامعة دمّروا حلم عائلته في رؤيته خريجًا. تشير الإحصاءات الفلسطينية إلى أنه خلال عام واحد فقط من التصعيد (2023-2024)، استُشهد 35 طالبا جامعيا في الضفة الغربية وأصيب المئات نتيجة اعتداءات الاحتلال، إضافة إلى اعتقال أكثر من 400 طالب جامعي في الفترة ذاتها. هذه الأرقام الصادمة تكشف أن المستقبل ذاته بات مستهدفا؛ فهؤلاء الطلبة الشهداء والمعتقلون كان من المفترض أن يكونوا المهندسين والأطباء والمعلمين القادمين، لكن مسيرتهم قُطعت بفعل القهر اليومي.
التعليم الجامعي في فلسطين هو قصة صمود إنساني وعلمي قلّ نظيرها. ففي كل يوم دراسي، تُسطر فصول مواجهة بين إرادة طالب ينشد العلم والنور، وحاجز احتلالي يسعى لإطفاء هذه الشعلة.
في الختام لا يسعنا إلا الإقرار بأن التعليم الجامعي في فلسطين هو قصة صمود إنساني وعلمي قلّ نظيرها. ففي كل يوم دراسي، تُسطر فصول مواجهة بين إرادة طالب ينشد العلم والنور، وحاجز احتلالي يسعى لإطفاء هذه الشعلة. ورغم كل المعيقات، ينجح آلاف الطلبة في التخرج سنويًا حاملين شهادات الأمل. هؤلاء الشبان والشابات يدخلون معترك الحياة ولديهم من التجربة الحياتية والوعي الاجتماعي ما يفوق أعمارهم. لقد صقلت المحنة شخصياتهم، فغدوا أشدّ وعيًا لقيمة الحرية وحقوق الإنسان، وأكثر تصميمًا على بناء مستقبل أفضل لأبناء وطنهم. سيظل المشهد قاسيًا وصعبًا ما دام الاحتلال جاثمًا، لكن عزيمة طلاب فلسطين أقوى من كل الحواجز. هم يعلمون أن معاناتهم ليست عبثية، بل هي ثمن الحرية والمعرفة. ومن رحم هذه المعاناة، سينهض جيل بعد جيل، يحمل راية العلم ويكمل الطريق، إلى أن تتحقق الآمال وتزول الحواجز ويصبح التعليم في فلسطين حقًا مصونًا لا مغامرة يومية.