سرقة مياه الضفة.. الاحتلال يتحكم بصنبور الحياة
8 نوفمبر 2025
تُعدّ السيطرة على المياه واحدة من أكثر سياسات الاحتلال الإسرائيلي خطورة وعمقا في أثرها على الحياة اليومية للفلسطينيين، إذ تكشف تقارير "منظمة العفو الدولية" أن دولة الاحتلال تستحوذ سنويا على نحو 500 مليون متر مكعب من مياه الحوض الغربي الممتد قرب عنبتا وسلفيت ورام الله والقدس وبيت لحم وغرب الخليل، إلى جانب 140 مليون متر مكعب من الحوض الشمالي بين بورين وجنين، و200 مليون متر مكعب من الحوض الشرقي الذي يضم أحواض الفارعة والعوجا والديـوك والقلط.
وفي مقابل هذا الاستنزاف المنهجي، لا تتجاوز حصة الفلسطيني اليومية من المياه 45–50 لترا، بينما تتراوح حصة المستوطن بين 400–800 لتر يوميا، وفق ما يؤكده رئيس سلطة المياه الفلسطينية المهندس مازن غنيم. ويصف الوضع في قطاع غزة بأنه كارثي، إذ إن 97% من مياه غزة غير صالحة للاستخدام الآدمي.
لا تتجاوز حصة الفلسطيني اليومية من المياه 45–50 لترا، بينما تتراوح حصة المستوطن بين 400–800 لتر يوميا.
وتفاقمت خلال الشهور الماضية شكاوى المواطنين من انقطاع المياه المتكرر في محافظة رام الله، نتيجة تدمير منظومات الضخ قرب “عين سامية”، أحد أهم منابع المياه في المنطقة. ويهدّد هذا الانقطاع أكثر من 160 ألف فلسطيني، إذ تعتمد 30 قرية على هذا المصدر. ويعمل المستوطنون تحت حماية الجيش على تخريب قطع إلكترونية حسّاسة، وكاميرات مراقبة البنية المائية، لإدامة الأزمة. وتنتشر في المقابل مقاطع تُظهر مستوطنين يملؤون مسابحهم بالمياه بينما يقف الفلسطيني يبحث عن بضع قطرات للشرب أو النظافة، في مشهد يعكس تباينًا فاضحًا في توزيع الموارد.

ولا تتوقف الهيمنة المائية عند هذا الحد، إذ تدفع إسرائيل بمشاريع استراتيجية تحت غطاء "إنقاذ البحر الميت" من خلال شق قناة تربط البحرين، ضمن ثلاثة مسارات مقترحة عبر الجليل، أو من شمال خان يونس، أو من أسدود. وتؤكد قراءات خبراء أن الهدف الأبعد يتمثل في توليد طاقة هيدروكهربائية ضخمة، وإنشاء بحيرات اصطناعية ومنشآت سياحية، وإحياء مشاريع تنمية النقب، فضلا عن استخدام القناة بمثابة خندق أمني يفصل فلسطين جيوستراتيجيا، مع تعزيز قدرة الاحتلال على تبريد مفاعلات نووية مستقبلية. وتشير تقديرات تعود إلى عام 2003 إلى أن الاحتلال كان يستفيد من هذه الفكرة بما قيمته 650 مليون دولار سنويا، ما يُضاعف أهميتها في السياق الحالي. كما يستغل الاحتلال فارق الارتفاع بين البحرين لتحلية المياه وزراعة النقب، في محاولة لإحداث تحوّل ديموغرافي وزراعي.
تدفع إسرائيل بمشاريع استراتيجية تحت غطاء "إنقاذ البحر الميت" من خلال شق قناة تربط البحرين، ضمن ثلاثة مسارات مقترحة عبر الجليل، أو من شمال خان يونس، أو من أسدود.
وبرغم توقيع مذكرة تفاهم ثلاثية عام 2013 بين إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية حول قناة البحرين، ما يزال الاحتلال يماطل في منح الفلسطينيين حصتهم المقدرة بنحو 20–30 مليون متر مكعب، مستعيضا عن الالتزام القانوني بابتزاز سياسي قائم على مقايضة الماء بالتنازلات.
ويمارس الاحتلال سيطرة صارمة على الآبار الجوفية، إذ يمنع الفلسطينيين من حفر آبار جديدة، ويجبرهم على ردم أي محاولات للتنقيب. وتتحكم شركة "ميكوروت" الإسرائيلية بإمدادات المياه وتسعيرها، في نموذج يعكس استلابا مائيا مُمأسسا. ويشير خبراء إلى أن هذه السيطرة تُخالف الأعراف الدولية التي تُصنّف الماء موردا عاما، وتُظهر أن الاحتلال لا يستهدف الأمن المائي فحسب، بل يطوّع المياه كأداة عقاب جماعي.

وفي جنين، على سبيل المثال، شهدت قرية "كفر دان" تدميرا ممنهجا لثمانية آبار خلال مواسم الحصاد، بذريعة عدم الترخيص، ما كبّد المزارعين خسائر واسعة وأضرّ بالأمن الغذائي المحلي. ويؤكد مزارعو طوباس أن نقصان المياه يجعل أراضيهم صيفا بلا استغلال، رغم خصوبة التربة وقدرتها على دعم سلة غذاء للفلسطينيين حال توفر الموارد.
وفي محافظة سلفيت، التي تُعدّ من أغنى المناطق مائيا على الحوض الغربي، يعاني السكان من تعطيش ممنهج يطاول 95% من مواردهم لصالح المستوطنات الإسرائيلية التي تحفر آبارا عميقة وتتحكم بروافد المياه. ويشير خبراء إلى أن جودة مياه هذا الحوض تمنح الاحتلال نحو 35% من أمنه المائي الاستراتيجي، ما يفسر شراسة الاستيلاء.
أمام هذا الواقع القاسي، تتجلى صورة احتلال لا يكتفي بسرقة الأرض والسماء، بل يمدّ قبضته إلى الماء ذاته، محوّلا مورد الحياة إلى أداة خنق بطيء.
ولا تتوقف معاناة الفلسطينيين عند القيود التنظيمية، بل تمتد إلى التحكم في استيراد معدات الحفر والصيانة، وفرض شروط عقابية على المشاريع المائية الفلسطينية، بينما تُفتح الأبواب على مصاريعها للمشاريع الإسرائيلية.
أمام هذا الواقع القاسي، تتجلى صورة احتلال لا يكتفي بسرقة الأرض والسماء، بل يمدّ قبضته إلى الماء ذاته، محوّلا مورد الحياة إلى أداة خنق بطيء. إن هذه السياسات ليست ظواهر عابرة، بل نظام ممنهج يهدف إلى فرض تبعية مائية، وإخضاع اقتصادي، وتشويه بنية الأرض الزراعية.
من هنا، تبرز الحاجة إلى ضغط شعبي ودولي لوقف هذه الممارسات غير القانونية، ودعم حق الفلسطينيين في إدارة مواردهم الطبيعية، وصولا إلى سيادة مائية تُمكّنهم من تحقيق أمنهم الغذائي، وحقهم في الحياة الكريمة على أراضيهم.