حكايات أسرى الحرية.. من زنزانة العزل إلى شمس الطوفان
8 نوفمبر 2025
توالت في الآونة الأخيرة صفقات "طوفان الأقصى"، حاملة معها خروج أسرى فلسطينيين من سجون الاحتلال التي لطالما وُصفت بـ"المسالخ" لشدة ما يُمارَس فيها من تعذيب وإهمال وقهر. وقد استعادت عشرات العائلات أبناءها بعد عقود من الحرمان من أبسط حقوق الحياة: ضوء الشمس، شربة ماء بكرامة، أو حتى حق الكلام والونس الذي يسند الروح. بعض الأسرى أمضوا أكثر من ثلاثة عشر عاما في عزل انفراديّ قاس، حيث تتآكل النفس ويُختبر الصبر إلى أقصاه.

ومن بين هؤلاء الأسرى، يبرز اسم "خلية القدس" أو "خلية نسيم تولدانو"، المكوّنة من أربعة مقدسيين هم: محمود عطوان، محمود عيسى، ماجد قطيش، وموسى عكاري، الذين شكّلوا وحدة خاصة تابعة لكتائب القسام. بعد اعتقال الشيخ أحمد ياسين وتدهور حالته الصحية، قرّر هؤلاء الشباب تنفيذ عملية خطف جندي إسرائيلي ومبادلته بسراح الشيخ.
ففي 12 ديسمير لعام 1992 توجهوا من عناتا قضاء القدس، نحو مدينة اللد بنية اختطاف أي جندي صهيوني يقع أمامهم، وأثناء سيرهم فجرا شاهدوا جنديا يقطع الشارع فانتهزوا الفرصة واصطدموا به، ومن ثم انقض عليه الشباب فغطوا رأسه وادخلوه السيارة وانطلقوا نحو عناتا مجددا. وفي مغارة مخبأة وسط البرية احتجزوا الجندي نسيم تولدانو بعد أخذ أوراقه الرسمية وسلاحه ولباسه العسكري. ومن ثم أرسلوا بيانا واضحا للحكومة الإسرائيلية عبر الصليب الأحمر يطالب بتسليم الشيخ مقابل الإفراج عن الجندي خلال تسع ساعات.
بعد اعتقال الشيخ أحمد ياسين وتدهور حالته الصحية، قرّر هؤلاء الشباب تنفيذ عملية خطف جندي إسرائيلي ومبادلته بسراح الشيخ.
وبعد مرور عدة ساعات لم يحدث إعلان من طرف حكومة الاحتلال إلا أنهم كثفوا وضع الحواجز والدوريات. فما كان من الخلية إلا أن اتصلوا بوكالة الأنباء الفرنسية وإعلان اختطاف الجندي، ومع وتعنت الحكومة الصهيونية اتفق أفراد الخلية على إعدام الجندي لانتهاء المهلة المحددة، حيث جرى إعدام الجندي ونقله إلى قناة موسمية قرب مستوطنة "معاليه أدوميم".
أشعلت العملية غضب إسحق رابين، فشنّ حملة اعتقالات طالت أكثر من ألف فلسطيني من كوادر حماس، وأصدر قرارا بإبعاد 415 أسيرا إلى مرج الزهور جنوب لبنان. لاحقا اعتُقل أفراد الخلية الأربعة وحُكم عليهم بالمؤبّدات. واليوم، وبعد 34 عاما في الأسر، بينها 15 عاما في العزل، يخرج هؤلاء القادة إلى الحرية، وإن كانت بشقّها المنفي إلى الأراضي المصرية.

وفي سياق آخر من بطولات الأسرى، يتصدر مشهد "الهروب الكبير" من سجن جلبوع عام 2021 عبر نفق حرية شقّه الأسرى بأدوات بدائية داخل زنزانة ضيقة. ستة أسرى معظمهم من جنين هم: محمود العارضة (مهندس العملية)، محمد العارضة، زكريا الزبيدي، مناضل نفيعات، أيهم كممجي، ويعقوب قادري. شكّل هذا الهروب صفعة أمنية غير مسبوقة لمنظومة الاحتجاز الإسرائيلية المشددة. محمود العارضة صاحب الروح الحرة كان قد حاول الهرب منذ اعتقاله الأول طفلا في السابعة عشرة من عمره، ولم تفتر عزيمته رغم فشل محاولته في سجن شطة عام 2014 التي كُشف أمرها بعد 16 شهرا من الحفر.
امتد نفق جلبوع نحو 36 مترا من قلب الزنزانة، وحين ساورت المهندسين الشكوك بعد تراكم الأتربة في أنابيب الصرف الصحي، قرروا التعجيل بالهروب قبل يوم من الموعد المحدد. ورغم أن بعض المشاركين في الحفر لم يتمكنوا من الفرار، فإن العملية أربكت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وأطلقت آلاف الجنود ونقاط التفتيش في كل اتجاه. بقي الأسرى أحرارا بين خمسة أيام وقرابة أسبوعين، قبل إعادة اعتقالهم، ثم محاكمتهم بعقوبات إضافية وغرامات مالية.
أربعة من الأسرى الستة محكومون بالمؤبّد، وقد أمضى بعضهم عقودا دون أن تلامس أقدامهم التراب. خمسة أيام من الحرية كانت كفيلة بأن يعيدوا تعريف الحياة ذاتها: تذوّق ثمرة من على شجرة، رؤية أطفال يلهون، السير بلا قيود حديدية. تلك التفاصيل الصغيرة كانت جنّة كاملة بالنسبة لهم.
في كل مرة يخرج فيها أسير إلى الشمس، يُستعاد جزء من كرامة وطن، وتنهض قضية حرية لا تزال تُكتب بدم وصدور صابرة، وتُزيّنها أسماء تليق بها كلمة "أبطال".
ورغم استعادة الاحتلال السيطرة عليهم لاحقا، فإن إرث "النفق" بقي حاضرا: صفعة نفسية، هزّة أمنية، وملحمة إنسانية. ومع صفقات "الطوفان"، عاد محمد العارضة وزكريا الزبيدي إلى جنين، وتحرر أيهم كممجي ومحمود العارضة إلى مصر، وبقي بعض الأبطال خلف القضبان يواجهون العزل وانهيارا صحيا مقلقا. يعاني بعضهم فقدان الوزن والإصابات المزمنة وآثار التعذيب وسياسات التجويع التي جعلت النحول رفيقا دائما للأسرى.
ما بين العزل والأنفاق وصفقات التبادل، يتجلى قوس كامل من البطولة الفلسطينية، إرادة لا تنكسر، ذاكرة لا تُمحى، ونفوس تعشق الهواء مهما ضاق القفص. في كل مرة يخرج فيها أسير إلى الشمس، يُستعاد جزء من كرامة وطن، وتنهض قضية حرية لا تزال تُكتب بدم وصدور صابرة، وتُزيّنها أسماء تليق بها كلمة "أبطال".