ذو القرنين بين العدل القرآني وطوفان الأقصى
25 سبتمبر 2025
يمتاز القرآن الكريم بكونه كتاب هداية لا ينفصل عن واقع الإنسان، بل يقدم نماذج وقصصا تحمل معاني خالدة يمكن إسقاطها على الأحداث المعاصرة. ومن أبرز هذه القصص، قصة ذي القرنين في سورة الكهف، التي ترسم ملامح القيادة العادلة في مواجهة قوى الفساد والظلم. واليوم، ومع ما تشهده غزة في أعقاب معركة "طوفان الأقصى"، يمكن قراءة القصة القرآنية في ضوء ما يجري، لنجد أبعادا رمزية ومعان ملهمة للصمود والمقاومة.
قال تعالى في سورة الكهف:
يصف القرآن ذو القرنين كقائد مُمكَّن في الأرض، ومع ذلك لم يكن طاغية، بل جسّد العدل والرحمة: (( قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا، وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى)) (الكهف: 87-88).
هذه الرؤية تعكس أن القيادة الحقّة ليست قهرا واستعلاء، بل إقامة لميزان الحق. وهو ما تفتقده غزة اليوم في مواجهة قيادة احتلالية تمارس أبشع صور الظلم من تجويع وحصار وقصف، في تناقض صارخ مع النموذج القرآني.
أعظم ما فعله ذو القرنين أنه لبّى نداء المستضعفين الذين شكوا ظلم يأجوج ومأجوج، فبنى لهم سدًا يحميهم (( فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا))(الكهف: 95).
هذا الموقف يعكس قيمة عظيمة: نصرة المظلوم والتعاون الجماعي لبناء جدار مقاومة أمام قوى الفساد. وإذا أسقطنا المشهد على غزة، نجد أن الشعب المحاصر يستغيث اليوم بالأمة، تماما كما استغاث أولئك القوم بذي القرنين، ليبقى السؤال: من سيبني "السد" في وجه قوى البطش الحديثة؟

رغم قوة السد، أكد القرآن أن انهياره مرتبط بوعد الله : (( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ)) (الكهف: 98). وهذه إشارة واضحة إلى أن القوة البشرية مهما بلغت تظل عاجزة أمام قضاء الله وقدره، وأن الموازين يمكن أن تنقلب في لحظة بإرادة إلهية، ومعركة “طوفان الأقصى” كانت تجسيدًا لهذه الحقيقة؛ حيث فاجأت قوة المستضعفين العالم، وأربكت موازين القوى رغم تفوق العدو عسكريًا.
وهذه إشارة واضحة إلى أن القوة البشرية مهما بلغت تظل عاجزة أمام قضاء الله وقدره، وأن الموازين يمكن أن تنقلب في لحظة بإرادة إلهية.
إن قصة ذي القرنين في سورة الكهف ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي رسالة متجددة: العدل أساس القيادة، نصرة المظلوم واجب جماعي، ومصائر الأمم بيد الله وحده. وفي ضوء حرب غزة، تبدو القصة كأنها مرآة تعكس صراع المستضعفين مع قوى الطغيان، لتذكّرنا أن النصر لا يُقاس بالعدة والعدد فقط، بل بالعدل والإيمان والتوكل على الله.