سرقة الموارد: 88% من مياه الضفة يصادرها الاحتلال
15 سبتمبر 2025
في ظل حرب الإبادة متعددة الأشكال ومتنوعة الوجوه، ومن قبلها وأثنائها ومع كامل استمرار وجود الاحتلال، سيكون أبرز وأخطر الاحتلالات والسرقات هي السرقات المائية.
القانون الأبرز للاحتلال الذي يشمل جميع كنوز فلسطين المحتلة كاملة، هو قرارهم بملكيتهم لكل ما في باطن الأرض. هذا القرار يشمل الآثار، الثروات المعدنية، الرمال، والأخطر على الحياة والوجود الفلسطيني، المياه بكافة أشكالها (الجوفية أو الآبار أو حتى مياه الأمطار).

في البداية يجب أن نوضح مصادر المياه التي يعتمد عليها الفلسطيني، حيث لا يمكن التقليل من خطورة الاحتلال في امتلاك شريان الحياة الأساسي للفلسطيني ومحاولاته المستمرة في السيطرة الكاملة على مصادر المياه باختلاف أنواعها.
تتكون مصادر المياه في فلسطين مياه الأمطار أولا، التي تشكل المصدر الرئيسي للمياه في فلسطين، ويُعتمد عليها في تغذية الخزان الجوفي للأراضي وكذلك المجاري المائية من الأودية والسيول، كما تستخدم في ري المساحات الواسعة من الأراضي الزراعية البعلية منها تحديدا.
إن تذبذب معدلات سقوط الأمطار والانخفاض من سنة إلى أخرى، وكذلك محدودية الشهور الماطرة في السنة يجعل من المياه الجوفية موردا رئيسيا للمياه في فلسطين. والمقصود بالمياه الجوفية؛ مياه الأمطار المتسربة إلى باطن الأرض عبر التكوينات الجيولوجية القابلة للنفاذ للأسفل.
لا يمكن التقليل من خطورة الاحتلال في امتلاك شريان الحياة الأساسي للفلسطيني ومحاولاته المستمرة في السيطرة الكاملة على مصادر المياه باختلاف أنواعها.
يتم استغلال هذه المياه من خلال تجميعها عن طريق الآبار الارتوازية، أو عن طريق الينابيع التي تنبثق من باطن الأرض. وتقدر نسبة مياه الأمطار المتسربة إلى باطن الأرض بحوالي 48-49% من كمية الأمطار الساقطة على فلسطين. كما تُقدّر المياه العذبة الصالحة للاستعمال والقابلة للتجديد بنحو 950-1000 مليون متر مكعب، وهذا يعادل ما بين 55-57% من إجمالي كمية المياه العذبة المتوفرة في فلسطين.
تقسم أحواض المياه الجوفية في الضفة الغربية إلى ثلاثة أحواض رئيسية: الحوض الشرقي، الذي يغطي الجانب الشرقي من الضفة، ويضم ستة أحواض مائية صغيرة، تحيط بها أو بجانبها المستوطنات والبؤر الاستيطانية لسحب كميات المياه المتواجدة فيها. وعلى الجانب الآخر يقع الحوض الغربي، الذي يستغله الاحتلال في النظام الهيدروليكي المتصل بين الأحواض لخدمة المستوطنات "الإسرائيلية". بالإضافة إلى الأحواض الشمالية – الشرقية، التي تضخ 105 مليون متر مكعب كأقصى تقدير، في المقابل تتراوح إلى ما بين 80-95 مليون متر مكعب كمية تغذيته. تعاني الأحواض الثلاثة عجزا مائيا؛ بسبب ارتفاع معدلات الاستنزاف "الإسرائيلية" للمياه.
وفضلا عن ذلك، تضم الضفة الغربية حوالي 300 ينبوع، وتتفاوت هذه الينابيع من حيث الحجم وكمية المياه ودرجة الملوحة وصلاحية المياه.

المقصود بـ "الجريان السطحي"، مجموعة الأودية والسيول والمجاري المائية سواء دائمة أو موسمية. ومن أبرز مظاهره في فلسطين نهر الأردن، الذي تبلغ مساحة تغذيته 18850 كم2، كما تبلغ مساحة حوضه من مخرج بحيرة طبريا الجنوبي 2727 كم2. أما المصدر الرئيس لمياهه يأتي من المنابع الشمالية وجبل الشيخ لارتفاع معدل الأمطار في هذه المناطق.
وضعت عدة اتفاقات دولية لتنظيم استعمال مياه هذا الحوض، وأشهر هذه الاتفاقيات هي "خطة جونستون"، التي أقرت 200-320 مليون متر مكعب من المياه سنويا للفلسطينيين حينه.
وضعت عدة اتفاقات دولية لتنظيم استعمال مياه هذا الحوض، وأشهر هذه الاتفاقيات هي "خطة جونستون"، التي أقرت 200-320 مليون متر مكعب من المياه سنويا للفلسطينيين حينها، لأن الضفة الغربية كانت جزءا من الأردن في خمسينيات القرن الماضي، وحدودها الشرقية نهر الأردن. كما استولت "إسرائيل" على حصة الضفة الغربية وعلى جزء من حصة الأردن، وبذلك أضحت الضفة الغربية لا تستفيد من مياه نهر الأردن.
هي الأهم حاليا في الضفة الغربية وتتركز في منطقة الأغوار، كما يعتمد على قسم كبير منها لري المزروعات. أما في مناطق طولكرم، نابلس وقلقيلية، وبشكل أقل في بيت لحم، تعتمد في سحب مياهها من الأحواض الجوفية لذلك تنتشر هذه الآبار في مختلف المناطق ويتم حفرها فوق الأحواض الجوفية.
وهنا يجب أن ننوه إلى وجود مجموعة ضخمة من الآبار التابعة للمستوطنات وسلطات الاحتلال، وهي كبيرة الحجم وتضخ كميات كبيرة من المياه سنويا مقارنة بما يستهلكه الفلسطينين وما يمكنهم الوصول إياه.

نشأة الاحتلال ومركزيته ومن ثم تمدده كانت في اعتماده على تملك أكبر قدر ممكن من مصادر المياه. ظهر ذلك قبل إعلان قيام الدولة حتى، حيث رأت الحركة الصهيونية في أن سيطرتها على المياه أمر بالغ الأهمية وتأكد ذلك في بنود مؤتمر باريس للسلام عام 1919م.
أما بعد 1967م، فقد كان حدثا مهما في تاريخ سيطرة الاحتلال على المزيد من مصادر المياه، إذ سيطر الاحتلال على نهر الأردن بعد احتلال الضفة الغربية، وكذلك على موارد المياه الجوفية الضخمة المعروفة باسم أحواض الضفة الغربية. وباحتلال مرتفعات الجولان، سيطرت "إسرائيل" كذلك على بحيرة طبريا ومنابع نهر الأردن. ومُنع الفلسطينيون من الوصول إليها.
وبعد شهرين، بسطت سلطات الاحتلال سلطتها الكاملة على مصادر المياه كافة تطبيقا للأمر العسكري رقم 92، الذي يمنح جيش الاحتلال سلطة على جميع مصادر المياه الثلاثة في الضفة الغربية. ثم أصدر الاحتلال في نوفمبر 1967 الأمر العسكري رقم 158 الذي يقيد التوزيع العادل للموارد المائية، وينص على عدم السماح للفلسطينيين بإنشاء أي تمديدات للمياه أو منشآت مائية من دون الحصول على تصريح من جيش الاحتلال.
بعد 1967م، فقد كان حدثا مهما في تاريخ سيطرة الاحتلال على المزيد من مصادر المياه، إذ سيطر الاحتلال على نهر الأردن بعد احتلال الضفة الغربية، وكذلك على موارد المياه الجوفية الضخمة المعروفة باسم أحواض الضفة الغربية.
من أهم السرقات المائية التي تعرضت لها حصة الفلسطينين من وادي نهر الأردن، عام 1970 حين تم تخفيض كميات المياه المخصصة للقرى الزراعية الفلسطينية ومناطق البدو، نتيجة قيود صارمة واستبدال المياه ونقلها إلى المستوطنات التي تقع بالقرب من الوادي. لذلك تعرضت كثير من القرى مثل: بردلة، وعين البيضا، والعوجا والجفتلك، لانتهاك وسرقة ممنهجة مقصودة في حصتهم في المياه لا تزال قائما حتى اليوم. وتعرضت هذه المجتمعات القروية لعواقب مدمرة من خلال نقص المياه في الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، ما أدى إلى تدني مستوى المعيشة وموات الأراضي الزراعية.
قيّدت حصة الفلسطينيين من المياه، ولم تتغير منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993م وما تبعها عام 1995 من تخصيص لــ 80٪ من موارد المياه، التي تعد موجودة أصلا داخل كل من آبار الأحواض الجوفية الثلاثة، وتحويلها للاحتلال. كما أن الـ 20٪ المتبقية ستخصص للفلسطينيين بمقدار 118 مليون متر مكعب. أخفقت الاتفاقية في معالجة قضية السيطرة على موارد المياه، إذ لم تلتزم "إسرائيل" بهذه النسب، بل شجعت على إحكام السيطرة على مصادر المياه واحتلال المزيد من الأراضي.
قيّدت حصة الفلسطينيين من المياه، ولم تتغير منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993م وما تبعها عام 1995 من تخصيص لــ 80٪ من موارد المياه، التي تعد موجودة أصلا داخل كل من آبار الأحواض الجوفية الثلاثة، وتحويلها للاحتلال.
ورغم النمو السكاني الفلسطيني الهائل منذ 1995م، فإن الكمية المخصصة لهم في الاتفاقيات لم تتغير، لتبقى السلطة الفلسطينية أمام خيار شراء المياه من شركة "ميكوروت الإسرائيلية" بأسعار مرتفعة ومضاعفة، وهنا وصلنا لمرحلة بيع الفلسطيني مياهه لنفسه بنفسه.

أوضحت سلطة المياه الفلسطينية في أكثر من تقرير وكذلك جهاز الإحصاء الفلسطيني، بأن استهلاك المستوطن يقدّر بحوالي ستة أضعاف كمية المياه التي يحصل عليها المواطن الفلسطيني، حيث لا تتجاوز حصة الفرد الفلسطيني من المياه 80 لترا في اليوم. بالإضافة لفروقات كبيرة في معدلات التزويد في المناطق الفلسطينية. يمكن أن تصل حصة الفرد الفلسطيني إلى 50 لترا في اليوم أو أقل من ذلك، وهذا مستوى منخفض مقارنة بالحد الأدنى الموصى به عالميّا وهو 100 لتر للفرد في اليوم.
نتيجة لسياسة إسرائيل المائية، زادت الفجوة بين كمية المياه المتاحة والطلب المتزايد على المياه، ومع زيادة عدد السكان والتطور الحضري في المناطق الفلسطينية. إلى جانب المعاناة من النقص الكبير في كمية المياه المتوفرة.
في عام 2019، بلغت كمية المياه المزودة للفلسطينيين في محافظات الضفة الغربية حوالي 119 مليون متر مكعب، بينما تقدر الاحتياجات المائية بحوالي 149.2 مليون متر مكعب في الضفة الغربية وهذا يعني أن العجز الفعلي في كمية المياه المتوفرة تجاوز 64.0 مليون متر مكعب.