عصا موسى: يد الله فوق أيدي المستضعفين
7 سبتمبر 2025
لم تكن العصا التي حملها كليم الله موسى عليه السلام مجرد قطعة خشب يتوكأ عليها أو يهشّ بها على غنمه؛ بل كانت سرّا من أسرار القدرة الإلهية، وعنوانا لمعجزة غيّرت مجرى التاريخ.
يروي القرآن الكريم أن الله جلّ وعلا خاطب موسى في الوادي المقدس طُوى، قائلا: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾، فجاءه الأمر: ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾. هكذا تحوّل الجماد إلى حياة، والعادي إلى خارق، والضعيف إلى غالب بأمر الله. وهنا نفهم أن "أداة المستضعَف" قد تصبح حين يشاء الله، مفتاح النصر.
العصا إذن لم تكن في ذاتها قوة ولا سلطانا، وإنما صارت رمزا لانبثاق المعجزة حين يتنزّل التأييد من السماء. فهي التي ابتلعت سحر السحرة وأبطلت كيدهم: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وهي التي شقّت البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، فأنجى الله بها المستضعفين وأغرق بها الطغاة. وهي ذاتها التي ضرب بها موسى الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، تسقي كل سبط من أسباط بني إسرائيل.
صارت العصا في الوعي الإيماني رمزا لعون الله الذي يبدّد الوهم ويكسر الاستكبار، ويقلب موازين القوة في لحظة واحدة.
من هنا، صارت العصا في الوعي الإيماني رمزا لعون الله الذي يبدّد الوهم ويكسر الاستكبار، ويقلب موازين القوة في لحظة واحدة. إنها رسالة متجددة بأن القوة ليست في السلاح المادي وحده، بل في كلمة الحق حين تتصل بالسماء، وفي الثقة المطلقة بأن وعد الله حق لا ريب فيه طال الزمان أو قصر. وإنها لَسنّة متكرّرة: أن العصا نفسها تخلّص المستضعَف، وتُهلك المستكبر.

ليس من قبيل الصدفة أن تسمّي المقاومة الفلسطينية عمليتها الأخيرة في غزة باسم "عصا موسى". ففي اختيار هذا الاسم دلالات عميقة؛ إذ يعيد إلى الذاكرة أن المعركة بين المستضعَفين والطغاة ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي امتداد لصراع الحق مع الباطل منذ فجر التاريخ. وكما ابتلعت عصا موسى سحر السحرة، فإن هذه العملية تبيّن أن كل جبروت مزيف، مهما بدا متينًا، هو في النهاية أوهى من بيت العنكبوت أمام إرادة شعب مؤمن بعدالة قضيته.
إن "عصا موسى" ليست مجرد عملية عسكرية، بل هي أيضا استعارة كبرى. فهي تقول إن غزة التي تبدو محاصرة وضعيفة، تستطيع بإيمانها وإرادتها أن تفعل ما يشبه المعجزة. فحين يتشبّث الناس بأرضهم ويصمدون في وجه أعتى آلة عسكرية، فإنهم يجسّدون جوهر القصة القرآنية: التحوّل من الاستضعاف إلى النصر، ومن الضيق إلى الفرج. فالبحر الذي شُقّ أمام بني إسرائيل لم يكن سوى مثال على أن المستحيل يصبح ممكنا حين يمدّ الله يد المعونة.
فالبحر الذي شُقّ أمام بني إسرائيل لم يكن سوى مثال على أن المستحيل يصبح ممكنا حين يمدّ الله يد المعونة.
ولعل أجمل ما في هذه الرمزية أنّها تربط الحاضر بالماضي، والمقاومة بالوحي، لتقول إن معارك الحق متصلة الحلقات. فكما قال الله تعالى لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]، كذلك يوقن المقاومون اليوم أن الله معهم، يسمع مناجاتهم، ويرى تضحياتهم، ويثبت أقدامهم. ومن يستحضر هذه المعية لا يمكن أن تهزمه قوة الأرض قاطبة.

ولذلك، فإن عصا موسى ليست مجرد قصة للتلاوة، ولا مجرد ذكرى تُستعاد؛ إنها نموذج يتكرر كلما اجتمع اليقين مع الفعل. هي وعد للمستضعفين أن الطغاة مهما تجبّروا فإن نهايتهم محتومة. وهي دعوة لنا أن نؤمن بأن وراء كل عصا بسيطة قد تخفى معجزة عظيمة.
هكذا تتجدّد القصة في زماننا: يتقابل موسى العصر مع فرعون العصر، ويقف البحر مرة أخرى شاهدا على أن طريق الحرية لا يُفتح إلا بالعزم والإيمان.
لقد شاءت الأقدار أن يرفع أهل غزة هذا الرمز من جديد، ليقولوا للعالم: لسنا نملك ترسانة نووية ولا أساطيل جبارة، لكننا نملك عصا الحق التي تضرب أوهامكم، وتبتلع جبروتكم، وتشطر البحر بيننا وبينكم. ومن يظن أن هذه مجرد استعارة، فليتأمل كيف بقيت غزة واقفة رغم كل الحصار والعدوان، وكأنها العصا القديمة تبعثت في هيئة أُمّة حيّة، تسعى وتضرب بيمين الإيمان، لا يمسك العصا موسى هذه المرة، بل شعب بأكمله آمن برب موسى وهارون.
هكذا تتجدّد القصة في زماننا: يتقابل موسى العصر مع فرعون العصر، ويقف البحر مرة أخرى شاهدا على أن طريق الحرية لا يُفتح إلا بالعزم والإيمان. وما بين بداية الحكاية ونهايتها خيط واحد يربط الماضي بالحاضر: أن الحق لا يموت، وأن وعد الله لا يتخلّف، وأن العصا مهما بدت واهية، فإنها تحمل سرّا لا يُدركه إلا المؤمنون.