التصحر الدوائي: عن مستودعات الأدوية الفارغة في غزة
1 سبتمبر 2025
يواجه قطاع غزة واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في تاريخه، إذ دخل مرحلة يصفها المختصون بــ "التصحر الدوائي". هذه المرحلة تعكس واقعا مأساويا يتمثل في الانقطاع شبه التام للأدوية الأساسية والضرورية لبقاء المرضى على قيد الحياة. يشكل هذا النقص تهديدا مباشرا لصحة ما يزيد عن مليوني إنسان يعيشون في ظل الحصار والعدوان المستمر.

تشير الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة إلى أن 90% من الأدوية مفقودة في صيدليات القطاع، بينما 52% من أدوية الأمراض المزمنة رصيدها صفر، و47% من الأدوية الأساسية غير متوفرة. أما أدوية السرطان وأمراض الدم فقد نفدت بنسبة 54%، فيما ارتفعت أسعار الدواء المتبقي بأكثر من 300%، لتصبح بعيدة عن متناول الغالبية العظمى من المواطنين. كذلك، فإن 42% من اللقاحات الأساسية لم تعد متوفرة، مما يعرض الأطفال بشكل خاص لأمراض خطيرة يمكن الوقاية منها. هذه الأرقام لا تعكس مجرد أزمة صحية، بل كارثة إنسانية حقيقية.
90% من الأدوية مفقودة في صيدليات القطاع، بينما 52% من أدوية الأمراض المزمنة رصيدها صفر، و47% من الأدوية الأساسية غير متوفرة.
ترجع أسباب هذه الأزمة بالأساس إلى الحصار الإسرائيلي المستمر منذ أكثر من 18 عاما، الذي يقيّد إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية بشكل متعمد. كما أن استهداف البنية التحتية الصحية في غزة خلال العدوانات المتكررة أدى إلى تدمير مخازن أدوية ومراكز صحية ومستشفيات. إضافة إلى ذلك، يساهم الانقسام السياسي الفلسطيني ونقص التمويل في تعقيد الوضع، حيث يتأخر وصول الدعم الدولي أو يتقلص بفعل الضغوط السياسية.
تأثيرات هذا التصحر الدوائي تتعدى حدود الصحة الفردية إلى الصحة المجتمعية. فالمصاب بالسرطان أو الفشل الكلوي أو الأمراض المزمنة الأخرى يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما انتظار دواء لن يصل، أو مواجهة مصير محتوم. ويؤدي نقص اللقاحات والأدوية المنقذة للحياة إلى تفشي أمراض يمكن السيطرة عليها في الظروف الطبيعية، ما يهدد الصحة العامة ويزيد من الوفيات بين الأطفال وكبار السن.
من الناحية القانونية، فإن هذا الوضع يمثل خرقا صارخا للقانون الدولي الإنساني، الذي ينص على ضرورة ضمان وصول الإمدادات الطبية إلى المدنيين في أوقات النزاع. اتفاقيات جنيف تلزم قوة الاحتلال بتوفير الرعاية الصحية للسكان الواقعين تحت سيطرتها، وهو ما تتنصل منه إسرائيل بشكل واضح. أما من زاوية حقوق الإنسان، فإن الحق في الصحة يعد حقا أساسيا، وأي منع متعمد للدواء يرقى إلى جريمة حرب وفق القانون الدولي.
الدواء ليس ترفا بل حقا أصيلا من حقوق الإنسان، وحرمان شعب بأكمله منه هو عقاب جماعي لا يمكن تبريره.
إن المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: إما أن يلتزم بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان، ويضغط لإنهاء هذه الجريمة المستمرة، أو أن يظل شريكا بالصمت في معاناة غزة. فالدواء ليس ترفا بل حقا أصيلا من حقوق الإنسان، وحرمان شعب بأكمله منه هو عقاب جماعي لا يمكن تبريره.