رسائل الميدان في زمن الصفقات المؤجلة
27 أغسطس 2025
في كلّ مرة يتهيّأ فيها الناسُ لخبر صفقة تبادل، تُرفع الأعين إلى السماء كأنّها تُوقِّع مع الرجاء والأمل معاهدة مؤقّتة. ثم لا تلبث الوعود أن تتبدّد، ويبقى في الميدان شعبٌ يحترق أو يُغتال أو يُقتل وأسرى وراء القضبان يعدون الأيام والليالي ليتنفسوا الحرية، وأُمهاتٌ بأفئدة فارغة من كل شيء سوى أبنائهن. لماذا تتكرّر دائرةُ الإخفاق في الصفقات، فيما تنجح الرسائل القليلةُ الكلمات والكثيرةُ الأثر، في تحريك الوقائع وكسر الجمود؟
تفشل الصفقات لأنّ التوازنات السياسيّة التي تُنضجها ليست هي ذاتها التي تحكم تنفيذها. في لحظة التفاوض تتقدّم البراغماتيّة وتؤجَّل الأيديولوجيا؛ ثم ما إن يعود كلُّ طرف إلى بيئته الداخليّة حتى ينهض عاملُ الائتلافات: قائد يخشى سقوط حكومته إن قبل «الثمن»، أو حركة عرفت التاريخ وخبرت الواقع جيِّدا تتوجّس من غدر إن بدت متساهلة أو فرَّطت فيما لا يُفرَّط فيه. هنا تتقدّم مشكلة الالتزام: ليس العائق هو الوصول إلى نصّ مُرض، بل ضمان بقائه حيّا في مواجهة الداخل المتحفّز؛ أي أن التحدّي هو استدامة الاتفاق والعمل به بندا بعد بند، ومرحلة بعد مرحلة، برغم تقلّبات الداخل والحدث.
يُتَّفق على مبادئ عامّة، فإذا عاد كلّ فريق لقاعدته، ظهرت شروط إضافيّة: استثناءات في القوائم، ربط الإفراج بوقف ميدانيّ أشدّ، حتى يُفرَغ الاتفاق من مضمونه، فتتجمّد القنوات.
يكفي أن يُسقط طرف واحد جسرا صغيرا أو حرفا حتى تغرق العربة كلّها وتنقطع السبل.
يتضاعف هذا كلّه مع عدم تماثل الكلفة: طرف يملك ترف الوقت وقوّة النيران، وآخرُ لا يملك سوى ورقة واحدة غالية هي الإنسان بقلبِه وقالَبه. عندها يميل الأقوى لرفع السقف: "إطلاق دون انسحاب شامل"، "قوائم مستثناة"، "مراحل طويلة مشروطة". وتُضاف أجندات الوسطاء إلى المشهد: لكلّ وسيط حساب معقّد بين صورته العامّة، وعلاقاته الأمنيّة، وضغوطه الداخليّة. فتُصبح الصفقة ـ وإن كُتبت ـ نصّا معلّقا بين توقيع بارد وحساباتٍ ساخنة.
ثم إنّ في الصفقات مُفسدين فاعلين: اغتيال يخلطُ الأوراق، قصف يرفع الكلفة الأخلاقيّة، أو تصريح يستفزّ الجمهور ساعة الاختبار. يكفي أن يُسقط طرف واحد جسرا صغيرا أو حرفا حتى تغرق العربة كلّها وتنقطع السبل. ولأنّ الشعب بين شهيد وجريح ونازح وأسير قضيّةُ وجدان لا بند تفاوضيّ فحسب؛ تتجمّع حولها رمزيّة تُصعِّب التسويات الهشّة وتُعرّي الحسابات الضيّقة.
إذا كانت الصفقةُ تحتاج بنودا وضمانات ومراحل، فإنّ الرسالة لا تحتاج إلا كلفة مجسدة وحسابات – وإن بدت معقدة – لكنها فاعلة جدّا وتخطيطا في حيّز ضيِّق. في منطق الإشارات الاستراتيجيّة، الإشارة الأكثر إقناعا هي التي تُكلِّف مُرسلَها شيئا حقيقيا؛ صمود تحت النار، عمليّة دقيقة تُعيد تعريف «الثمن»، صورة أسير على قيد الحياة في توقيت محسوب، هدوء متعمّد يسبق عاصفة صغيرة… كلّها رسائل تُعيد ترتيب جدول الأولويات لدى الخصم، بلا مؤتمرات ولا نصوصٍ مُلزمة.
تنجح الرسائل لأنّها تؤثر في الجمهور لا في الورقة؛ تُحدِثُ في الرأي العامّ ارتجاجا أخلاقيّا: أُمّ تبكي فلذة كبِدها، أو أسير يلوّح بيده من خلف القضبان، أو طفل يصفُ ليلَ السجن كما لو كان رواية قصيرة موجعة. وتنجح لأنّها تُغيِّر إيقاع الميدان: عمليّة نوعيّة تُذكّر بأنّ الكلفة مستمرّة، أو هدوء محسوب يرفعُ الكلفة السياسيّة لأي "ضربة عقابيّة". ولأنّ الرسالة تَنفَذ فورا إلى مواضع التأثير، فهي تعفي صاحبها من دهاليز الصياغة ومناورات "الفقرات التحذيريّة" و"الملاحظات الختاميّة".
تنجح الرسائل لأنّها تؤثر في الجمهور لا في الورقة؛ تُحدِثُ في الرأي العامّ ارتجاجا أخلاقيّا.
وتنجح الرسائل أيضا لأنّها تؤسّس حدّا أدنى واضحا: "الكلّ مقابل الكلّ"، "المضاعفة مقابل المدنيّين"، "المراحل مقابل الضمانات". ليس شرطا أن تُوقّع الأطراف على هذه العناوين؛ يكفي أن تتكرّر بإصرار وذكاء حتى تصير سقفا نفسيّا يُقاس عليه التقلّص والتشظّي.
في الصفقات يُسأل عن الثمن: كم؟ من؟ متى؟ وفي الرسائل يُعاد تعريف القيمة: من يستحقّ أن يعود؟ ما معنى العدالة؟ ما حدود التضحية؟ هذا التحويلُ من "ثمن" إلى "قيمة" يخلخل الحساب الرياضيّ ويستدعي المعيار الأخلاقيّ. وهنا يبرز النصّ المؤسِّس في وجدان هذه الأمّة: ﴿ويطعمون الطعام على حبّه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا﴾، وقال النبيّ ﷺ: "فُكّوا العاني" أي الأسير.
إنّه تكليف معنويّ يجعل الأسرى قضيّةَ مجتمع لا ملفّ تفاوض؛ ويحوّل الرسالة ـ حين تصدق ـ إلى عقد اجتماعيّ بين المقاومة وحاضنتها، وبين الأسير وبيته.
وحدةُ الخطاب وتعدّدُ القنوات: خطاب تفاوضيّ موحّد يحدّد الحدَّ الأدنى بوضوح، مع ترك هامش لقنوات جانبيّة تجسّ نبضَ الخصم وتختبر "الثمن" بلا ضجيج.
تحويل الزمن من خصمٍ إلى أداة: الزمن يستهلكُ الطرفَ الأضعف إن بقي ساكنا، لكنّه يخدمه إذا حوّل كلّ أسبوع إلى رسالة؛ بوقف إنسانيّ مشروط، أو كشفِ معلومة، أو ترتيبِ قائمة قابلة للتمدّد.
الزمن يستهلكُ الطرفَ الأضعف إن بقي ساكنا، لكنّه يخدمه إذا حوّل كلّ أسبوع إلى رسالة.
ضمانات تُشبه الواقع: لا يكفي التوقيع؛ الضمانُ الحقيقيّ آليّةُ تنفيذ مُجزّأة، مع طرف ثالث يُمسك بمفاتيح التنفيذ، وتُربَط كلُّ مرحلة بكلفة سياسيّة على من يتراجع.
فصلُ "الرمزيّ" عن "التقنيّ": تُركَّز الرسائلُ على المعنى والحدّ الأدنى؛ وتُحصرُ التفاصيل التقنيّة في غرف صغيرة لا تُدار أمام الشاشات.
إدارةُ التوقّعات: لا تُباعُ للجمهور نهايات سعيدة؛ يُقال: "نُقاتلُ على المعنى ونُساومُ على الممكن"، فتتوزّعُ الخيبةُ على مراحل، وتتراكمُ الثقةُ مع كلّ رسالة صادقة.
الصفقة تُكتب حين يتساوى الوجعان: ألمُ استمرار الكلفة وألمُ الاعتراف بسقف للخصم. هذا لا يتحقّقُ بالبلاغة ولا بضغط وسيط؛ بل حين يصبح البديلُ أسوأ للجميع: حكومة مهدّدة في الداخل، مقاومة ترى في تغيير المعادلة تجديدا للالتزام، ووسيط يخشى كُلفة الفشل على صورته وأمنه. لحظةُ التوقيع إذن حصيلةُ رسائلَ تراكمت حتى صنعت معادلة ردع أخلاقيّة وسياسيّة.
ولأنّ السياسة ليست حسابا خالصا، يبقى في المشهد موضع لما لا يُحسب: دمعةُ أُمّ على شاشة، كلمةُ أسير في تسجيل عابر، أو هدوء مفاجئ في أسبوع كان الجميع ينتظر فيه الانفجار. هذه اللمحات الوجدانيّة ليست زينة للمشهد؛ هي محَرّكاتُ الرأي العامّ الذي يدفعُ صانعي القرار إلى الطاولة، ثم يُجبرهم على البقاء.
يذهبُ الناس إلى الصفقات طلبا للخلاص، وتسلُك الأمم طريق الرسائل لتَنشُد الخلاص. الصفقة تُنهي حالة؛ أمّا الرسالة فتُنشئ حالة. وإذا كان قدرُ الميدان أن تتأجّل الصفقات، فليس قدرُ المعنى أن يُؤجَّل. قال تعالى:
﴿ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً﴾.
بين الثمن والقيمة، وبين الورقة والوجدان، يتقرّر المصير: تتفكّكُ المساومات حين تُدار بالأرقام، وتتماسك حين تُدار بالمعنى. ولهذا ـ ما دام في الأمّة من يكتب رسائل مكلفة صادقة ـ ستجد الصفقات طريقا إلى الورق، وسيجد الشعب المنكوبُ ملاذا إلى برِّ الأمان وحضنا للوطن واسعا، وسيجد الأسرى طريقا إلى الذين حالت الجدرانُ الزائلةُ ـ لا محالة ـ بينهم وبين من يحبّون.