الطريق الصعب بين تل أبيب ومكة
17 أغسطس 2025
قد تكون المسافة الطولية بين زوايا الجغرافيا معلومة للجميع، لكن الغوص في ثنايا التاريخ المتباين والخلاف الجذري بين الجموع البشرية الأصلانية في المنطقة العربية، وبين الدخيل الشاذ غير المرغوب فيه، الذي اقتحم البلاد العربية ضمن الفعل الاستعماري الأوروبي، بشكله الجديد، المنتمي لجماعة بشرية خلقت بحسب الطلب، وصيغت لتكون التجمع البشري الصهيوني ذو التراكيب المعقدة، المختلفة والمتباينة، بإطار وظيفي كينوني يقوم بكل ما هو مطلوب منه، وفي مقدمة ذلك إعادة تشكيل المنطقة بما يتناسب مع العقل الغربي ورغباته الاستعمارية.
عناوين عدة يمكن كتابتها في وصف الفعل الاستعماري الإحلالي، منها ما تصدر المشهد العام، كالحروب العربية المضبوطة على المقاس مع الكيان الصهيوني وصولا إلى حالة السلام، بدءا من مصر "كامب ديفيد"، إلى "أوسلو" عرفات، ثم "وادي عربة" الأردن، وليس آخرا التطبيع الإبراهيمي، الانفصالي عن كل ما تمثله الأمة العربية والإسلامية.
المشهدية التي يجري الترويج لها اليوم من قِبل الأطراف المستفيدة من بعضها البعض –الكيان الصهيوني والولايات المتحدة والسعودية– تتمثّل في عملية التطبيع السعودي-الصهيوني. باعتبارها أحد المفاعيل السياسية التي قامت بها أمريكا بايدن قبل نهاية ولايته الرئاسية، حيث يمكن تسجيلها كأحد أهم الإنجازات التي تصب في صالح الحزب الديموقراطي الحاكم، في مواجهة غريمه الجمهوري في الانتخابات القادمة.
جزء من هذه المشهدية يقدمها ولي العهد السعودي ابن سلمان، برؤوس الأقلام، وجمل عمومية، ومن توضيح المقصد المباشر، كقوله مؤخرًا: -كل يوم يمر علينا يقربنا من التطبيع- وهنا مع الاستعمار الصهيوني طبعًا.
في حين يسعى رئيس وزراء الكيان الصهيوني بكل جهد، لأن يصل وعلى عجل، لاتفاق مع المملكة السعودية، تشبثا بقناعاته الراسخة حول تقريب السعودية من الكيان الصهيوني يجعلها حليفا قويا أمام الخطر الإيراني المتعاظم.
في حين يسعى رئيس وزراء الكيان الصهيوني بكل جهد، لأن يصل وعلى عجل، لاتفاق مع المملكة السعودية، تشبثا بقناعاته الراسخة حول تقريب السعودية من الكيان الصهيوني يجعلها حليفا قويا أمام الخطر الإيراني المتعاظم.
وعلى المنصة الدولية ومن منبر الأمم المتحدة، قدم نتنياهو خريطتين، لكل واحدة منها لها بعدا استعماري خاص يمكن قراءته وتحليله. فالأولى: يقدم الشكل الجغرافي للكيان الصهيوني عشية معارك النكبة وتمثل فلسطين التاريخية بحدودها الانتدابية المعروفة، دون وجود للضفة الغربية وقطاع غزة، ومع أن الصورة لم تكن كذلك في حينه إلا أن هذا ما قدمه رئيس وزراء الكيان الصهيوني خلال إلقائه كلمته أمام العالم.
عبارات من نوع المحو، الإلغاء، الإحلال، لم تذكر، لكن الخطاب والتصاوير اللغوية والورقية كانت مليئة بهذه الكلمات. فتقديم صورة الكيان الصهيوني وبخارطة تشمل جغرافيا الانتداب البريطاني، واعتبارها منذ عام 1948 تمثل خارطة الكيان الصهيوني - وهنا لم يكن حاصلا في حينه - أبرز الدليل على فكرة إلغاء الشعب الفلسطيني وحقوقه الأصلية أو حتى الجزئية، كما هو اليوم على بقايا حدود الضفة الغربية وقطاع غزة يؤكد ما ذهبنا إليه من فكرة الإلغاء والمحو المتحكمة في العقل الصهيوني وعلى رأسه نتنياهو.
الخطاب يقدم في ثناياه الكثير من كلام السلام المعسول، إلا أن الحاصل على الخارطة أو في الميدان يؤكد خلاف ذلك، فأي سلام في المنطقة دون أن يكون للفلسطيني بقعة ضوء على خريطة نتنياهو الاستعمارية.
كما أن الخطاب يقدم في ثناياه الكثير من كلام السلام المعسول، إلا أن الحاصل على الخارطة أو في الميدان يؤكد خلاف ذلك، فأي سلام في المنطقة دون أن يكون للفلسطيني بقعة ضوء على خريطة نتنياهو الاستعمارية.
وأيضا لماذا يجب على الفلسطيني أن يعترف بحق الجماعة اليهودية في الأرض الفلسطينية التي في ظن نتنياهو الأرض التاريخية للجماعة اليهودية، في حين أن الاعترافات السياسية بين الدول تبنى على شكل الدولة ومدى توافقها مع المعايير الأممية، لا على طبيعتها الدينية أو التاريخية أو حتى الأبدولوجية.
واستطرد نتنياهو في كلامه عن "السلام المقبول" من وجهة نظره، ليطرح شرطا جديدا يتماهى مع قوانين الأبارتهايد العنصرية، أو ما حصل مع الجماعة اليهودية بداية الحكم النازي عندما تم إقرار قوانين نورمبرغ المتطرفة اتجاه اليهود الألمان. فقد اعتبر نتنياهو أن الفلسطينيين جزء من مسار السلام مع العرب، غير أن ذلك لا يعني – بحسبه - امتلاكهم حق الاعتراض على الاحتلال ولو بالحد الأدنى، إذ إن هذا الاعتراض من شأنه أن يُصنّف الشعب الفلسطيني كجماعة سياسية لها هوية تمثلها، ويمنحها حق القبول أو الرفض، وهو ما يرفضه نتنياهو وتحالفه. هذا الموقف يتوافق تمامًا مع الأفكار المشوّهة للصهيوني زئيف جابوتنسكي، الذي اعتبر الفلسطينيين مجرد "أشياء" لهم حق الحياة، ولكن دون حق التمثيل أو تقرير المصير.
البديل الذي يطرحه نتنياهو يقوم على تحسين شروط الحياة ضمن معادلة الاقتصاد والأمن؛ حيث يكسب الفلسطيني مستوى معيشة أفضل عبر فتات العملية السلمية، بينما يجني العدو الصهيوني الولاء الأمني من القيادة الفلسطينية المقيّدة سياسي.
البديل الذي يطرحه نتنياهو يقوم على تحسين شروط الحياة ضمن معادلة الاقتصاد والأمن؛ حيث يكسب الفلسطيني مستوى معيشة أفضل عبر فتات العملية السلمية، بينما يجني العدو الصهيوني الولاء الأمني من القيادة الفلسطينية المقيّدة سياسيا، وضمان الهدوء والاستقرار لخدمة المشروع الاستعماري الاستيطاني في الضفة الغربية، إضافة إلى محاربة التجمعات الفلسطينية المقاومة.
أما الخريطة الثانية، فهي تمثل الوطن العربي وقد تم تظليل عدة دول باللون الأخضر للدلالة على دول التطبيع والسلام العربي مع الكيان الصهيوني. وما أراده نتنياهو من هذه الخريطة هو رسم خط أحمر عابر للحدود والقارات، يربط الأشكال الاقتصادية في المنطقة العربية بالكيان الصهيوني في القارة الأوروبية. الأمر لا يقتصر على ذلك، بل يؤسس لعملية استنفاع متبادلة بين الدولة المعنية، تقطع الطريق أمام الحضور الصيني والروسي المتصاعد في المنطقة، كما تحدّ من النفوذ الإيراني الذي يسعى إلى حضور إجباري في المحيط العربي، ويمنح عمقا استراتيجيا للكيان الصهيوني ليقوم بدور خط الدفاع المتقدم عن مشاريع الاستعمار على الأرض الفلسطينية.

تقدّم الأمم المتحدة منصة دولية للخطاب والتنظير وعرض القضايا العالمية ووجهات نظر الدول، إلا أن خطاب الحقيقة ينبع من تحديات الواقع وليس من فنون الكلام. فلا يمكن تجاوز الأزمة الداخلية حين يتحدث نتنياهو عن "الديمقراطية الصهيونية" ومسار التعديلات القضائية التي تخدم مجموعة محددة من المجتمع الصهيوني، متجاهلاً باقي المشكلات الفكرية والقطاعية. الحديث عن السلام في ظل حكومة يمينية عنصرية متطرفة تضم الوزيرين سموترتس وبن غفير لا يمكن تمريره على المجتمع الدولي، إذ لا يمكن تصور تخلي هذه الحكومة عن المستوطنات في الضفة الغربية.
قد يجلب السلام مع السعودية بركات اقتصادية، إلا أن واقعا استراتيجيا يكشف ضعف الداخل الصهيوني ويزيد من تعرضه للاختراق بما يخدم أعداء الكيان.
كما أن الترويج لاختراق العلاقات مع السعودية يتناقض مع الانقسامات الداخلية في الكيان الصهيوني، ما يطرح سؤالاً جوهريًا: هل يمكن الحديث بفخر عن السلام مع السعودية بينما يواجه الداخل الصهيوني صراعات أهلية بين المواطنين؟ الرهان على خلق عدو خارجي، كالتهديد الإيراني، لتوحيد المجتمع الصهيوني، قد يمرّ على المعارضة التي تركز على تصاعد خطاب التطرف والدكتاتورية داخليا بدل تهديد خارجي.
ويطرح مفكرو الكيان تساؤلات حول مخرجات علاقة السلام مع السعودية، مثل مدى قدرة الكيان على استيعاب الجسر الجوي للمسلمين الراغبين بالصلاة في المسجد الأقصى خلال المناسبات، خاصة شهر رمضان، وتأثير ذلك على صمود الفلسطينيين في القدس والضفة وقطاع غزة. من الناحية المالية، قد يجلب السلام مع السعودية بركات اقتصادية، إلا أن واقعا استراتيجيا يكشف ضعف الداخل الصهيوني ويزيد من تعرضه للاختراق بما يخدم أعداء الكيان.