الفتيات وحلم الزواج: هل انتهى بريق الفستان الأبيض؟
10 أغسطس 2025
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لطالما كانت فطرة الأنثى الخالدة هي السكن إلى رجل يحبها، يحتوي ضعفها، يحترم أنوثتها، ويقدس رقتها، أن تغرق بيتها في تفاصيل تشبهها، وتعيش مطمئنة في كنف زوج يثمن معنى الرجولة، يشاطرها روحها ورهف مشاعرها. غاية كل أنثى أن تعيش مع من تخلع معه رداء قوتها وتمتطي ضعفها دونما خجل، رجل تعيش في دلاله ملكة وتحت جناحه أميرة.
مهما حاولت الفتاة أن تتنصل من تلك الحقيقة تحت أية مسميات، وبسبب أية ظروف، ومهما كانت الدوافع، ستظل منابع الفطرة التي فطر الله الأنثى عليها تقرع بابها.
أصبح نداء التزهيد من منظومة الزواج ومؤسسة الزوجية نداء رائجا ونبرة مستحدثة لدى الفتيات غير المتزوجات خاصة، ليس نبرة التزهيد فقط، إنما شيطنة الزواج. ولأن عاطفة الأنثى تغلب عقلها غالبا، ولأن ردة فعلها تجاه ما يصيبها لا يكون منصفا وموضوعيا في أكثر الأحيان، فبدل أن تعالج أزماتها ومشكلاتها بعيدا عن الانفعال والتسرع تلجأ لتشويه منظومة الزواج.
مهما حاولت الفتاة أن تتنصل من تلك الحقيقة تحت أية مسميات، وبسبب أية ظروف، ومهما كانت الدوافع، ستظل منابع الفطرة التي فطر الله الأنثى عليها تقرع بابها.
ومن أسباب عزوف بعض النساء عن الزواج، النظر إلى الارتباط كخطوة تعرقل سير الحياة، وعثرة تهدم الإنجازات، ومنصة إعدام للأحلام، وزلة العمر التي تحكم عليها بالأسر مدى الحياة. أو قد تكون إحداهن مرت بتجربة زواج باءت بالفشل، فبدلا أن ترى تجربتها استثناء، تبدأ بتعميمها على الواقع، وتصبح قضيتها مع الزواج شخصية، وتصير حانقة حاقدة على الرجل، ناقمة على المؤسسة الزوجية، تنظر إلى المتزوجات كأنهن رهائن يشفق عليهن، وسبايا حرب مزهود بهن، تسخر عندما تسمع بخطبة فتاة أو زواج أخرى، وتتوعدها بأنها ينتظرها الكثير، وأن القادم لن يأت بعد!
أود أن أقر أيضا بأن نداءات الاستغاثة من المتزوجات قلبت معادلة الزواج في أذهان الفتيات، فهي لا تتحدث عن الزواج إلا أنه تعب ومشقة، وتربية أطفال، وتخلي عن الدراسة، وترك وظيفة، وإقفال مشروع، وأعمال شاقة، وواجبات اجتماعية مضنية، وطاعة زوج حتمية، وتكليف مرهق، وخطوة تسد بها آفاق الروح وتغلق بها مساحات الأنفس. تراه بأنه المقصلة الأخيرة التي ذبحت فيه روحها، لا تبصر به إلا جانب الابتلاء!
"النسوية الراديكالية صاغت مفاهيم الأنوثة بطريقة أخرى، فلن تكوني أنثى حتى تتخلصي من وظيفتك الإنجابية والزواج والأسرة، وهذا احتقار صريح للأمومة ومعاداة لها واعتبارها طوق عبودية".
إضافة إلى الحركات الفكرية الدخيلة على النساء المسلمات، التي دعت إلى التمرد على كل أمر إلهي يضبط حياة الأنثى، من ذلك الزواج، وما يلزمه من واجبات شرعية كالاهتمام بالزوج، وطاعته، ومعرفة الحقوق والواجبات، وضرورة المرونة في التخلي والتنازل، وإعادة تعريف الإنجازات والنجاحات من منظور الدين، لا منظور الرأسمالية والمادية. وحول ذلك، عقّبت الدكتورة كاميليا حلمي في إحدى حواراتها: "النسوية الراديكالية صاغت مفاهيم الأنوثة بطريقة أخرى، فلن تكوني أنثى حتى تتخلصي من وظيفتك الإنجابية والزواج والأسرة، وهذا احتقار صريح للأمومة ومعاداة لها واعتبارها طوق عبودية".

في الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت حركة "بي فور" النسوية حظرها للزواج والولادة كشرط أساسي للنساء المنضمات إليها تحت ذريعة أن الإنجاب يمنع المرأة من الحصول على حقوق متساوية مع الرجل، وخشية أن يفرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قيودا جديدة على الإجهاض.
أصبحت المواد الإعلامية تتساوق مع الفكرة التي تقدم المرأة المتفرغة لمنزلها بأنها ساذجة، بسيطة، ذات ثياب رثة، وتفكير ساذج، وعقل سطحي. امرأة فارغة من الأهداف، خالية من الطموحات، فقيرة من الإنجازات، راضية بالقليل وقانعة بالمتاح. أما المرأة العاملة تصدر بأنها ذات عقل منفتح، وفكر ناضج، وإتيكيت وبرستيج عال وذات طموح ورؤية وريادة.
"أسوأ ما حشت به الحضارة الغربية عقول النساء هو أن المرأة لا تحقق ذاتها إلا إذا كان لديها عمل ومهنة، وحين نقول أن بيت المرأة أولى بها فلسنا نقلل من عمل المرأة وإنما نعلي من دور الزوجة والأم.
إن فكرة حصر النجاح بالاستقلال المادي، وتحقيق الإنجازات المهنية، واعتلاء سلم الوظائف ومزاحمة الرجال فيه، فكرة ضيقة الأفق، قصيرة النظر، سطحية المعنى، لا تختزل دور المرأة الحقيقي في الحياة فحسب، بل تقصيه تماما، حتى إذا سألت إحدى الزوجات عن مهنتها طأطأت رأسها، وأجابت باستحياء: "ربة منزل"، فهل أصبح نداء الفطرة السليمة معيبا للفتاة إلى هذا الحد!
وللكاتب أدهم الشرقاوي كلام جميل في هذا أذكر منه: "أسوأ ما حشت به الحضارة الغربية عقول النساء هو أن المرأة لا تحقق ذاتها إلا إذا كان لديها عمل ومهنة، وحين نقول أن بيت المرأة أولى بها فلسنا نقلل من عمل المرأة وإنما نعلي من دور الزوجة والأم".
إن كنت موصية بشيء، فإني أوصي الفتيات بأن يخففن عجلة الانفعالات، وأن يهدأن قليلا، وأن يستمعن إلى نداء الفطرة الصادق في نفس كل أنثى، وأن يعلمن أننا لا نقلل من أهمية العلم والطموح أو العمل، إنما أن نبصر سلم الأولويات جيدا، وأن لا ننظر إلى الزواج بأنه مقبرة للطموح، وأن يعود للزواج قدسيته الحقيقة، دونما إفراط أو تفريط..أو تزهيد!