عقوق الوقت
16 يوليو 2025
هناك اعتقاد يقتصر على أن العقوق، يتوقف فقط على معاملة الوالدين بما يتنافى مع ما يوجَب في حقهم، لكن في الحقيقة هناك أنواع عديدة مِن العقوق يغفل الناس عنها بسبب قلة الانتباه، وعدم الحرص على ذكرها وتذكرها دائما. سوف أتحدث في هذا المقال، عن عقوق الوقت أو عقوق اليوم كما اسمّيه دائما.
ما يجعل هذا النوع من العقوق مختلفا وخطيرا في الوقت نفسه، لأن الإنسان لا يستطيع إستعادته، فصفحته تطوى بمجرد مضيّه. فالإنسان عبارة عن أيام ماضية وأيام مقبلة، فما مضى منها أصبح في عداد التاريخ لا رجعة له، فالأيام التي انقضت، لا تختلف عمّن مات ولم تبق منه سوى ذكرى تتلاشى مع مرور الوقت، بينما الأيام المقبلة، فلها حق على الإنسان أن يبرها بالعمل الصالح والنافع، ولا يضيعها بالأمور الفارغة.
هذا النوع من العقوق مختلفا وخطيرا في الوقت نفسه، لأن الإنسان لا يستطيع إستعادته، فصفحته تطوى بمجرد مضيّه
إن سألت أي شخص عن جدول نشاطاته اليومية على اختلاف أنواعها المادية والمعنوية، والتي يمكن أن تسهم في بناء شخصيته وإثراءها جسديا وروحيا، سوف تكتشف أن عدد كبير من الأشخاص يضيعون ساعات فراغ كثيرة، لو قورنت مع ساعات عمل الشخص لوجدت أن يومه بالأغلب عبارة عن فراغ.
أنا أسمي تضييع الإنسان معظم وقته بلا منفعة تعود عليه أو على من حوله "عقوق اليوم"، عُمر اليوم الواحد أربعة وعشرون ساعة، وتفويت الساعات بين لعب وهزل وفراغ باطل، يقتل يوم الإنسان، فاليوم كريم مع الإنسان في عدد ساعاته، ولكن للأسف الإنسان غالبا يعق يومه ويضيع هبة عظيمة أنعمها عليه الله عز وجل.
الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أقسم بالعصر، وفسّر كثير من العلماء كلمة العصر على أنها الوقت. ولقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنّ الإنسان يوم القيامة سوف يسألُ عن أمور مهمة مِن حياته في الدنيا ومنها وقته، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه".
عُمر اليوم الواحد أربعة وعشرون ساعة، وتفويت الساعات بين لعب وهزل وفراغ باطل، يقتل يوم الإنسان، فاليوم كريم مع الإنسان في عدد ساعاته، ولكن للأسف الإنسان غالبا يعق يومه ويضيع هبة عظيمة أنعمها عليه الله عز وجل.
يمكن اعتبار هذا الحديث وإدراجه في باب استغلال الوقت، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظُه: "اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وغِناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك".
قد يسأل سائل، كيف يضيع الإنسان وقته ويعِق يومه؟ وتتلخص الإجابة فيما أورده الإمام الماوردي رحمه الله، في أدب الدنيا والدين عن بعض البلغاء أنه قال: من أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرض أداه أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه.
المقصد مما قاله الماوردي، أنّ كل وقت يمضي في غير طاعة الله وتهذيب النفس، وتنميتها وبنائها بما هو نافع لها من العلم والعمل، هو وقتٌ ضائع، والأحرى للإنسان أن يندم شديد الندم على ضياعه.
في الوقت الحاضر، من السهل معاينة وتعيين المَواطن التي يضيع فيها الإنسان معظم أوقاته، مثل مواقع التواصل الاجتماعي بكافة أنواعها، والمقاهي ومتابعة الأنشطة الرياضية، لاسيما مباريات كرة القدم، والمناقشات الفارغة التي تدخل ضمن اللغو الذي نهى عنه القرآن الكريم.
سمعتُ الشيخ سعيد الكملي في أحد دروسه ينصح طلاب العلم، ويؤزهم للاجتهاد في التعلم على حساب الكسل، الذي يسكن نفوس طلاب عصرنا بقوله هذه الأبيات:
إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي: متى؟!
مسألة عقوق اليوم ليست هينة، بل الأمر عظيم وجلل. الإنسان لا يرضى أن يعود مِن عمله بلا مقابل مادي، فكيف يرضى لنفسه أن ينهي يومه كما بدأه. هلك من قدّم الدنيا على إصلاح نفسه ولم يوفر لها وقتا لتكون أفضل بالعلم النافع والعمل الصالح.