أعينوا أولادكم على بِرَكم !
14 يوليو 2025
جرى حديث أمامي لشخص يتحدث فيه عن طموحه في تحقيق مشروعه الخاص، إلا أن لديه مشكلة تتجسد في أهله، وتحديدا في والدَيه، اللذان لم يوافقا على ما يريد نتيجة توقعاتهما السلبية للخطط التي يرسمها، وخوفهما المبالغ فيه من الحالة التي سوف ينتهي عليها حال فشل المشروع.
أكمل قائلا: يريد الوالدان دائما مساعدة أبنائهم على تمهيد الطريق وتذليل العقبات لأبنائهم من أجل مستقبلٍ مزدهر، من حرصهم الشديد و حبهم الزائد، لكن للأسف هُم لا يعلمون أنهم غالبا ما يكونون العقبة الحقيقية أمام الشباب و طموحاتهم.
يتكون الشبان في مجابهة مع الدنيا التي تُهَشّمُهم، والأسرة التي تهمّشهم، و غالبا تكون النتيجة أنهم يفشلون في مشاريعهم لتعدد الجبهات والعقبات في وجوههم. ولا يوجد إنسان عاقل سوي ينكر حَق الوالدين على أبنائهم بالطاعة شبه المطلقة، لكن أليس لهذه الطاعة حدود تضمن للإنسان الحفاظ على كيانه وتجربته الفردية؟
يتكون الشبان في مجابهة مع الدنيا التي تُهَشّمُهم، والأسرة التي تهمّشهم.
لكل إنسان الحَق الكامل في خوض تجاربه والتعامل مع إنقلاب الأيام عليه في حدود المُباح، هذا هو سبيل النضوج والتحول الإيجابي من كينونة إلى كينونة أخرى على مستوى الشخصية الداخلي. الكثير مِن الأشخاص يتعلمون أسمى القيم وأجل المعاني، ويصلون إلى أعلى القمم بناء على تجارب شخصية خاضوها، أخذتهم بالرفع والخفض، والشد الجذب، وخرجوا منها شخصيات جديدة تستحق التقدير والاحترام على ما آلت إليه.

يتردد دائماً على ألسنةِ الناجحين، "لولا التجارب التي خضناها لما وصلنا إلى ما نحنُ عليه الآن". تخيل لو أنّ والديهِم كانوا يمنعونهم مِن الخوض في غمار التجارب بسبب الحرص والخوف غير المبرر، هل ستجدهم يتحدثون عن نجاحاتهم في المستقبل؟ لا ينبغي للوالدين تحت أي حجة كانت من باب الخوف أو الحرص، الوقوف في طريق الأبناء نحو طموحاتهم، إن كان الطريق لا يتعارض مع الدين. أنا متيقن أنّ الأب والأم يريدون الأفضل لأبنائهم، لكن يجب أَن يعلموا أن الأفضل بالنسبة للابن يأتي مِن خلاصة و عصارة تجاربه.
من خلال الحديث مع كثير مِن الأشخاص، أجد أغلبهم يفتخرون باختياراتهم وتجاربهم حتى لو كانت فاشلة وفقا لمعايير الناس، إلا أنها كانت ناجحة على المستوى الشخصي لِما أَضفت مِن لمسات جميلة على شخصياتهم. لا أريد أن يُفهَم مِن المقال أنني أتمرد وأخرج عن عباءة الوالدين. الله سبحانه وتعالى حفظ حق الوالدين في كتابه العزيز، إذ قَرنَ عدم الإشراك بالله بالإحسان إلى الوالدين، لعظيم فضلهم وسمو منزلتهم عند الإنسان، وقال في سورة الأنعام: "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا".
فالله سبحانه أعطى الإنسان الحرية المطلقة لأن يختار بين الكفر والايمان، حتى لا يحرمه من حرية الاختيار و يرفع عنه حجة الإجبار.
الله سبحانه وتعالى يحب الإنسان، و هذا واضح في تكريمه له و اختياره لحمل أمانته على حساب الخلائق كلها، ويحب الله للعبد الإيمان ويكره له الكفر والعصيان. و مع هذا، فالله سبحانه أعطى الإنسان الحرية المطلقة لأن يختار بين الكفر والايمان، حتى لا يحرمه من حرية الاختيار و يرفع عنه حجة الإجبار.
يصيبني الحزن والأسى، مِن رؤية أهم محطات الحياة - من زواج أو علم أو عمل - لدى الإنسان قائمة على اختيار والديه، و يدفعني أن اقول في قرارة نفسي أين سحر التجربة وأين حرية التكليف و الاختيار؟ أريد أن اختم بالمفكر الأمريكي آلاان واتس، والذي تحدث عن الحب الزائد وخطره على الحياة، من خلال إخباره عن قصة فتاه صغيرة اُهدِيَت أرنبا، وكانت تحب الأرنب بشكل جنوني لدرجة أن يبقى بين يديها دائما، وفي يوم مِن الأيام، احتضنت الأرنب و عصرته بين يديها إلى أَن ماتَ خنقا.
إذا كان الأب يريد أن يبرّه ابنه، فعليه إعانة الابن على هذا البر. الإنسان مجبول على الحرية و هذه صبغة مِن الخالق، والإنسان على استعداد أن يتمرد على العالم إن شعرَ بوجود تهديد على هذه الحرية.