مقاتلو جباليا: نزار ريان ومحمود المبحوح
13 يونيو 2025
في الجزء الأول من مادة مقاتلو جباليا، تناولنا بعضًا من جوانب السيرة الذاتية لاثنين من مقاتلي جباليا، الذين كانت لهم بصمة واضحة في تاريخ النضال الفلسطيني وهما عماد عقل المُلّقب بصاحب الأرواح السبع، بالإضافة إلى فوزي أبو القرع الذي برز اسمه في انتفاضة 1987. أما في الجزء الثاني من هذه المقالة فنتناول السيرة الذاتية للشهيد القائد نزار ريان، والشهيد محمود المبحوح.

ولد الشيخ ريان في 3 مارس/آذار 1959، في معسكر جباليا، ولكن بلدته الأصلية التي هُجر منها والده هي نعليا، فكبر بين أزقة المعسكر حتى أضحى إمامًا للمسجد الأشهر في المخيم مسجد الخلفاء الراشدين.
أما عن سيرته الأكاديمية فهو حاصل على بكالوريوس أصول الدين من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض عام 1982، وتلقى التعليم على أيدي مشايخ الحجاز كابن جبرين وعبد الرحمن البراك، وأكمل الدراسات العليا فحاز على الماجستير من الجامعة الأردنية في تخصص الحديث الشريف عام 1990، ثم حصل على الدكتوراه من جامعة القرآن الكريم في السودان عام 1994.
عمل شيخ المخيم مدرسًا بقسم الحديث الشريف بكلية أصول الدين، ثم ترقى لأستاذ مساعد، وواصل عمله حتى وصل لمنصب مساعد نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، ورئيس قسم الحديث الشريف، بكلية أصول الدين، كما أن له الكثير من الدراسات الفقهية وله كتاب بعنوان: "دراسات في السيرة"، وكان الشيخ بصدد إنهاء شرح لصحيح مسلم، وسلسلة عن أنساب وأصول العائلات الفلسطينية، في ما منح وقته لطلابه فأشرف على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه.
يُعرف في الأوساط الفلسطينية بأنه صاحب مقولة: "لن يدخلوا معسكرنا"، وذلك في معركة "أيام الغضب" عام 2004، أثناء محاولة الجيش الإسرائيلي اجتياح جباليا.
كان يتنقل في المسجد ويعطي الدورات ويشرف على الحلقات القرآنية والبطاقات الورقية الدينية، تعلق قلبه بمسجد الخلفاء الراشدين فأحب الإمامة به، ووهب وقته لأجله فجمع التبرعات لأجل إعادة بنائه، لكن حياته لم تتسع لذلك، فاستشهد مقبلًا غير مدبر.
التحق نزار ريان بجماعة الإخوان المسلمين عام 1977، ونشط في الانتفاضة الفلسطينية الأولى فكان من أبزر القياديين، وعند تكوين كتائب عز الدين القسام انضم لها، وشارك في العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال بطلب من صلاح شحادة، فحاول خطف جنود إسرائيليين.
كما تولى مهمة جمع السلاح للكتائب، وحماية المقاومين المطاردين، كمحمد الضيف ويحيى عياش، وهو من العاملين في الرباط على الحدود التي تربط غزة بالأراضي الفلسطينية المحتلة، في ما شارك المجاهدين في حفر الأنفاق، واشتبك مع قوات الاحتلال في اجتياحات شمال غزة.
عُرف الشيخ بشجاعته إذ أطلق مبادرة تقضي بتشكيل دروع بشرية لحماية منازل المقاومين الغزيين من الاستهداف من سلاح الجو الإسرائيلي، وقبل أن يتخذ تلك الخطوة واصل الجيش تدمير المنازل فنجح بقصف حوالي 25 بيتًا، لكنه قرر تحدي "إسرائيل" وأصبح يجمع الكبار والصغار ليعتلوا أسطح المنازل التي يهددها الإسرائيليين بالقصف في محاولة منه لمنع قصفها، وبالفعل أثبتت تلك المبادرة نجاعتها لعامين. وفي هذا السياق، يُذكر أنه في نوفمبر/تشرين الثاني 2006، اعتلى ريان سطح منزل القيادي في لجان المقاومة الشعبية محمد بارود، رفقة المئات من أهالي مخيم جباليا، بعدما طلبت قوات الاحتلال إخلاءه لقصفه، ليفشلوا مخطط الاحتلال بتدميره.
كان الشيخ يؤمن إيمانًا تامًا بالجهاد في سبيل الله، فورث منه أبناؤه شجاعته، يتقدم الصفوف الأمامية، يناضل بالعلم والسلاح، وناضل أبنائه مثله تمامًا، فها هو ابنه إبراهيم ينفذ عملية فدائية عام 2001 في مستوطنة "إيلي سيناي"، قتل فيها 6 جنود، فاستشهد على أثرها، كما استشهد شقيقه الأصغر، واثنان من أولاد شقيقه، وتعرض ابنه بلال لإصابة خطيرة بُترت قدمه على إثرها.
في مطلع يناير 2009 وخلال "معركة الفرقان"، أُبلغ ريان أن منزله سوف يُقصف، فرفض الخروج منه، وكان معه زوجاته الأربع، و11فردًا من أبنائه، قتلتهم "إسرائيل" جميعًا، في ما نجا ابنيه الاثنين وابنة له كانوا خارج المنزل آنذاك. وفي هذا الخصوص شهادة لابن الشيخ بلال، فيقول: "كان منزلنا عبارة عن ركام والدخان يخرج منه، شرعت بالبحث عن عائلتي، فوجدت جسد والدي على بعد مترين من البيت وهو مقطوع الرأس، وفي حضنه شقيقي أسامة ذو العامين".

قيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، ولد في 14 فبراير/شباط 1960 في مخيم جباليا، عاش بين أزقة المخيم وتحديدًا بلوك 9، بجوار بركة أبو راشد، عائلته تهجرت من "قرية بيت طيما" والتي احتلها الجيش الإسرائيلي عام 1948، أراد أن يكون مجاهدًا يناضل ضد المحتل منذ نعومة أظفاره.
كان يمارس رياضة كمال الأجسام في نادي خدمات جباليا، وحصل في إحدى المرات على المرتبة الأولى في بطولة كمال الأجسام، وطد علاقاته بأهل المخيم، فطبع اسمه في أذهانهم، أما علاقته بأهل بيته كانت ودودة، يشاركهم العمل في البيت، لديه 14 أخًا وأخت، وأربع أبناء.
درس في مدارس مخيم جباليا، ثم حصل على دبلوم الميكانيكا، فتفوق في تخصصه، وافتتح ورشة في شارع صلاح الدين، وعقد علاقات طيبة مع الزبائن الذي يترددون على ورشته لصيانة سياراتهم، وظل يعمل بها حتى خرج من غزة عام 1989.
اعتقلته سلطات الاحتلال عام 1986 لمدة عام قضاها في سجن السرايا، بتهمة انتمائه لحركة "حماس" وحيازة السلاح، خرج من السجن ثم اندلعت الانتفاضة الأولى، فواصل نشاطه العسكري في الحركة، وعكف على تأسيس الوحدة 101 التي تهدف لخطف جنود إسرائيليين، بتوجيه من القائد القسامي صلاح شحادة، والذي قتلته "إسرائيل" عام 2002.
وفي العام 1988، تمكن المبحوح مع رفاقه المجاهدين من أسر صهيوني اسمه "آفي سبورتس"، ثم قتلوه وأخفوا جثته، ثم في 1989 أسروا جندي آخر "إيلان سعدون"، وهو يرتدي عتاده العسكري، لكنهم قتلوه، نظرًا لصعوبة إخفائه حيًا. مرت العملية بسلام حتى حاول العبور بسيارته الذي خطف بها الجندي "سعدون" إلى غزة من شرق جباليا، لكن دورية الاحتلال لاحظت الملابس الموجودة بداخلها والمغمورة ببقع الدم.
تمكن من الفرار وقتها لكن الاحتلال واصل مطارته هو وأصدقائه في العملية، إذ طوقت قوات خاصة منزله بشكل فجائي، وعاثوا بالمنزل خرابًا، واعتقلوا كل ما في البيت بما فيهم أطفاله، وداهمت أيضًا قوة خاصة ثانية ورشته، وهم متنكرين بزي عمال الزراعة، حتى جاء شقيقه فايق فأطلقت القوة عليه الرصاص بشكل مباشر وإصابته، ثم اعتقلته.
وبعد محاولات الجيش الإسرئيلي العديدة للقبض على المبحوح، تمكن من الهروب هو وأصدقائه إلى مصر ثم ليبيا، حتى استقروا في سوريا. وبعد سنوات من النضال تمكنت "إسرائيل" من اغتياله في 19 يناير/كانون الثاني 2010 في فندق بالإمارات، في عملية غامضة، ليطوى دفتر القائد القسامي.