حسام أبو صفية... محاكمة طبيب
30 أبريل 2025
كان الطبيب حسام أبو صفية في قفص الاتهام بعد أن تم إحضاره من سجن "سيدي تومان" يتحسّس مواقع كدماتهم البدنية والنفسية، زرعوا في جسده أثناء الطريق إلى المحكمة المزيد من الألم بكلّ قسوة وضراوة، لم تكتف شرطة البوسطة بحاله التي تُنبئ بحجم الألم الذي يتعرض له في ذاك السجن اللعين، وهم يعلمون تمامًا ماذا يعني وجود إنسان في هذا السجن، تناولوه طيلة الطريق ببساطيرهم حيث وضع بينها في أرضيّة الجيب العسكري الخلفيّة، بقي ينزف آلامه بصمت عزيز، هنا في المحكمة فرصة ليتنفّس قليلا وليستذكر حاله في هذا العام من الحرب ونيّف.
كيف تحدّى كلّ ويلات حرب لم تكن في يوم من الأيام تمرّ أوصافها في خلد إنس ولا جانّ، وكان مستشفى كمال عدوان الذي يديره الطبيب حسام أبو صفية في قلب الملحمة، تأتيه ويلات الحرب ظاهرة للعيان مرسومة على أجساد الجرحى بكلّ ألوانها بالدم والحرق وبتر الأعضاء وتهتّك اللحم والعظم كأنّها نشّرت بمناشر من حديد.
كان الطبيب حسام أبو صفية في قفص الاتهام بعد أن تم إحضاره من سجن "سيدي تومان" يتحسّس مواقع كدماتهم البدنية والنفسية، زرعوا في جسده أثناء الطريق إلى المحكمة المزيد من الألم بكلّ قسوة وضراوة.
لم تكتف شرطة البوسطة بحاله التي تُنبئ بحجم الألم الذي يتعرض له في ذاك السجن اللعين، وهم يعلمون تمامًا ماذا يعني وجود إنسان في هذا السجن، تناولوه طيلة الطريق ببساطيرهم حيث وضع بينها في أرضيّة الجيب العسكري الخلفيّة، بقي ينزف آلامه بصمت عزيز، هنا في المحكمة فرصة ليتنفّس قليلا وليستذكر حاله في هذا العام من الحرب ونيّف.
ثم يحاصرون المستشفى بكل أسلحة النار والدمار، صواريخ المسيّرات وقذائف الدبّابات، تضرب مولّدات الكهرباء وخزانات المياه وكلّ مقوّمات الحياة، حوّلوا المستشفى إلى جسد بلا روح، وضربوا كلّ ما يساعده على الوقوف والاستمرار في تقديم خدماته لمرضاه ولو بحدّها الأدنى، ومع هذا بقي الطبيب حسام أبو صفية يدير بقايا مستشفى متهالك ومنزوع القدرات، ثم ضيّقوا عليه الخناق بعد أسبوعين من الإحاطة به من كلّ جانب، ثم انقضّوا عليه انقضاض ضبع على فريسته، أخرجوا من بقي فيه حيّا من مرضى وطواقم صحيّة، وكان من نصيب طبيبنا الاعتقال، أدخلوه جوف دبّابة وكأنّهم ألقوا القبض على زعيم الإرهاب في العالم كلّه، يا لها من بطولة وإنجاز أن يُلقوا القبض على هذا المستشفى ومديره حسام أبو صفيّة.
"المحكمة عبارة عن منصة أُعدّت ليجلس خلفها قاض عتيد من متقاعدي جيشهم العظيم! وخلفه على جدار شاحب يرتسم ميزانًا مائلًا حيث تميل العدالة عندهم، وأمام المنصّة طاولة ذات اليمين للنيابة العسكرية وطاولة ذات الشمال لمحامي الدفاع، وطبعا قفص للمتّهمين وكراسي أمامهم لجمهور المحكمة رغم أنّها أضحت بلا جمهور". نعق غرابهم بعد دخول القاضي القاعة التي تأخذ شكل المحكمة ظلما وزورا: محكمة. ثم وقف قصير بدين رفيع الصوت يُدعى ممثّل النيابة العسكرية، انتحى جانبا وراح يتلوا ما خُطّ في لائحة الاتهام، والمترجم المباشر يترجم أوّلا بأوّل وكأنّهم في محكمة حقيقيّة:
أعطيناه عدّة فرص وأرسلنا له رسائل عمليّة علّه ينسحب من ذاك الموقع العسكري الذي كان يتخندق به ويطلق علينا القذائف دون توقّف. وكانت الرسالة الأولى عندما قتلنا له ولده، لم يفهم وبقي مصرّا على عناده، ثمّ أصبناه إصابة في ساقه ولم يرتدع عاد لخندقه يطلق نيرانه بكل ما أوتي من عنف وضراوة.
هذا الذي يسمّى مستشفى كمال عدوان ما هو إلا قاعدة عسكريّة للإرهابيين عندهم وهذا الذي يدّعي أنه طبيب هو مخرّب محترف.
ثم انبرى محامي الدفاع الذي عيّنته المحكمة ليقوم بدوره الجميل: سيدي القاضي، موكّلي حسام ابو صفية هو طبيب كان يقوم بمهمّته الانسانيّة، يعالج الجرحى والمرضى في مستشفى اسمه مستشفى كمال عدوان ولم يكن في جبهة قتال كما يقول النائب العام.
ردّ النائب العام بعنجهية وصوت نافر كنعيق الغراب: ألا تعلم أن جيش الدفاع هو الأكثر أخلاقية في العالم، ألا تعلم أنه من المستحيل أن يهاجم المستشفيات، هو فقط يهاجم بؤر الإرهاب. أعلم ذلك ولكنّ الملف الذي بين يديّ هو ملف طبيب لا عهد له في المعارك والقتال.
- ولكنّا ألقينا القبض عليه متلبسا بالجريمة ومن موقع عسكري قاوم جيش الدفاع طويلًا هناك. وهل تعتقد أن المقاتل غير شرعي غير قادر على أن يلبس لباس طبيب. وزد على ذلك أنّه كان يحرجنا في الاعلام وهو يكذب ويدّعي أنّ ذاك الموقع العسكري هو مستشفى وأن المحاربين هم مرضى، وكان أمام الاعلام يلبس لباس حمل ويخفي صورة الذئب التي بداخله، إنّه شخص يجيد التمثيل.
- هذا كلام غير صحيح لدينا صور كثيرة تثبت عكس ما تقول. "ردّ المدّعي العام بحنكة ودهاء: أكيد هذه الصور مرّت على الفوتوشوب والفيديوهات. أكيد صُنعت بالذكاء الصناعي "لم يحتمل الدكتور هذا الهراء، خرج عن صمته صارخًا: هذا كذب وافتراء، وهذا ليس غريبا عنكم.
احتللتم أرضنا سنة ثمانية وأربعين وأقمتم كذبتكم الكبرى التي سمّيتموها "إسرائيل"، ومن يومها وأنتم تكذبون حتى صار المستشفى الذي يعرفه الجميع عندكم موقعًا عسكريًا، استهبلتم العالم كلّه وأنت تقصفون هذا المستشفى لما يزيد عن أسبوعين، دمّرتموه وأحرقتموه وجعلتم سافله عاليه وكانّه موقع عسكريّ، أنتم تحاربون الانسانيّة جمعاء وتقتلون فيها كل ما فيها من حياة وحق وعدل وكل أشكال القيم الإنسانيّة.
هتف القاضي بهدوء مصطنع، حاول أن يخفي حقده ويخرج شيئا من مكره ودهائه: " أنا أقرأ كثيرًا في صحيفة "هآرتس "عن معاناتكم في غزة، صحيح ما نسمعه أن هناك أطفالا يموتون؟
- أطفالًا؟! ما يزيد عن ثمانية عشر ألفا عدا عن المصابين عشرات الآلآف من الأطفال الذين قطّعت أطرافهم والنساء مثلهم والمسنّين والمدنيين. وهل صحيح أن الجيش الاسرائيلي يقصف مستشفيات؟ أغلب مستشفيات غزة دمّرها جيشكم. وأين تعالجون مرضاكم وجرحاكم؟ ينقلهم جيشكم بالمروحيّات إلى المستشفيات الإسرائيلية! لم أسمع بهذا، أنت تهزأ بنا؟
- يُنقلون إلى المدافن بعد أن لا يجدوا مسعفًا فينزفون حتى الموت وجيشكم الأكثر أخلاقًا في العالم ينظر إليهم ويمنع المسعفين من الاقتراب منهم. والسّعيد حقّا من يجد من يدفنه وإلا تُرك للكلاب الضالّة تنهش جسده وتأكله.
نعق النائب العسكري: سيّدي القاضي هذا كذب وافتراء. ردّ القاضي، غامزًا بعينه: "أعلم ذلك لكن دعنا نستمع". هتف الدكتور: "تريد أن تتسلّى بعذاباتنا، أنت لا تعلم أنّ التاريخ دول، وأن دائرته تدور، اليوم لك وغدا عليك، لدينا آية في القرآن تقول... قاطعه النائب العسكري بحدّة: "إنّه يهدّدنا سيادة القاضي، أرأيت، إنّه إرهابي، ذئب في صورة حمل وديع.
ضرب القاضي بمطرقته وصرخ: كفى كفى. توجّه للمحامي وسأل: " ألديك ما تضيفه؟ لا سيدي القاضي. هتف القاضي بالقرار بكل هدوء ووقار: يتم تحويله للاعتقال الإداري لمدة ستة شهور قابلة للتجديد.
خرج القاضي من الباب الخلفي، تناول الزبانية المتهم وتدافعوه أمامهم ليعيدوه عبر البوسطة السوداء إلى حيث جحيم السجن: "سيدي تيمان". هناك لا يوجد طبّ ولا دواء ولا غرفة عمليات، هناك عذابات بكلّ الاشكال والألوان. ماركة مسجلة لأفظع ما أنتج الانسان.