متلازمة ستوكهولم: حين تتعاطف الضحية مع جلادها
17 فبراير 2025
حِين تتعاطف الضحية مع جلادها يصير لدينا سلوك غير سوي، سمي هذا السلوك من طرف علم النفس الإكلينيكي بمتلازمة ستوكهولم. إذن لنعد عدد المرضى عندنا بهذه المتلازمة! كي لا أجانب الصواب، سأقول إن فئات اجتماعية كثيرة مصابة بمتلازمة ستوكهولم، وأفراد كثر مصابون بهذا الداء، وجماعات بشرية أقرب إلى التّنميط والانقياد تفضل هذا السلوك.
كثير منا يرفع صور الزعيم، وهم واقفون أو جالسون، وهم يرتدون بذلة سموكينغ الثمينة، أو قميص صَيفي مُريح. وننسى أن الزعيم نفسه هو من أعطى أوامر جلد من يَرفعون صوره.
إن فئات اجتماعية كثيرة مُصابة بمتلازمة ستوكهولم، وأفراد كثر مصابون بهذا الداء، وجماعات بشرية أقرب إلى التَّنميط والانقياد تُفضّل هذا السلوك.
كثير منا يدبّجون أيات المديح، ويقرضون قصائد طوالا، ويُنَمقون عبارات رنانة، في حق مسؤول، هو نفسه الذي أمر بالاعتقل، والتعذب، والنفي، وتجاوز القوانين. كثير منا يرددون شعار ليعش الرئيس، والرئيس من نكّل في كل فئات الشعب.

علاقاتنا الاجتماعية هي الأخرى تتمحور حول متلازمة ستوكهولم، فَنحن نقدّر أكثر من يهيننا، ونعتبر من يعاملنا بالحسنى مجرد ضعيف لا قيمة له، لقد وُجدنا في بنية اجتماعية تُرفع فيها ألوية التفاضل عن طريق القوة والسلطة بين أفرادها، وتُعلي أكثرنا قوة وسلطة، وتجعله محبوبا ممن يتسلط عليهم.
في الشارع نضطر إلى إظهار قوة مصطنعة، لأن هناك من قال لنا في زمن ما أن القوة هي مرادفٌ للمكانة الاجتماعية، لذا نحب من له مكانة اجتماعية حتى وإن كانت مكانته وسُلطته يستعملها ضدنا، فنحن في عقلنا اللاواعي نتمنى أن نكون في مكانه، لذا نحب مكانته عبر حبه هو نفسه.
حتى في الحبّ، تطل متلازمة ستوكهولم برأسها، فيغدوا الحب امتلاكا لا شعورا نبيلا. يتحول إلى أداة سيطرة، ويصبح أحد الطرفين ضحية تحب جلادها بوهم يتجاوز العقل، إلى حد الجنون.
مات ملوك، ومات رؤساء عاشوا بالدم، وجنرالات حملوا الكلاشينكوف طيلة حياتهم قضوا نحبهم، فخرجت فئات كثيرة في مظاهرات النواح والبكاء على من رحل، ومن رحلوا هم أنفسهم من جوع الشعب، ومن تجاوز كل الحدود المعقولة في التسيير وتدبير حياة البلاد والعباد.
حتى في الحبّ، تطل متلازمة ستوكهولم برأسها، فيغدوا الحبّ امتلاكا لا شعورا نبيلا. يتحول إلى أداة سيطرة، ويصبح أحد الطرفين ضحية تحب جلادها بوهم يتجاوز العقل، إلى حد الجنون.
حكومات كثيرة فاشلة، وفشلها كان واضحا لا يحتاج إلى إيضاح، تم إعادة انتخابها مرة أخرى وبتغييرات بسيطة، هذه الحكومات تفننت في جلد ظهر الشعب
مُتلازمة ستوكهولم كما تَمس الفرد تمس أيضا الجماعات، وجَماعات كثيرة في مجتمعاتنا مريضة بهذه المتلازمة.
متلازمة ستوكهولم هي استعباد مختار، الضحية تحب جلادها دون أن يفرض عليها ذلك، وتتعاطف معه، وتنسى جلده لها، وتجعله بشكل غير مباشر يتفنن في تعذيبها. للأسف الكثير منا يحبون جلاديهم.
في الشارع يخاف المواطن البسيط من رجل عصابة عنيف، ومن رجل أمن ينظر شزرا إلى الجميع، وبعدها يجد هذا المواطن نفسه - دون أن يدري - يميل إلى هذه الشخصيات، معجب بمكانتها، فيتحول الإعجاب إلى حب وتعاطف، وإن كان هذا رجل العصابة أو رجل الأمن هو من قام بصفعه، أو هو من قام بأخذ رشوة منه.
ألا نتحدث عن إعطائنا الرشوة لمسؤول ما بكل راحة، وإعطاء الرشوة هو جلد لظهر المواطن، ألا يعني ذالك تعاطفنا مع هذا السلوك، وتعاطفنا مع من يفرض علينا الرشوة.
متلازمة ستوكهولم هي استعباد مختار، الضحية تحب جلادها دون أن يفرض عليها ذلك، وتتعاطف معه، وتنسى جلده لها، وتجعله بشكل غير مباشر يتفنن في تعذيبها.
التلاميذ والأطفال تنمّا فيهم متلازمة ستوكهولم، ففي أحاديثهم التي لا تنتهي، يقدرون الأستاذ الذي يتفنن في قمعهم، والشخص الذي ينظُر إِليهم بأنفة، يذكرونَه بصفات بُطولية، وفي المقابل يَسخرون من الأَستاذ الذي يتخلى عن فلسفة الجلد في القسم.
بكل بساطة، ولأَننا مجتمعٌ العلاقات الاجتماعية فيه معطوبة، نَعكس تعاطفنا، فنتعاطف في الغالب من جلادينا، ونكره الذين يربتون على أكتافنا بكل هدوء.
رغم أن الفئات الكثيرة، وبدون أن تدري، تُمجد من يطعنها، إلا أن الفئات الواعية بواقعها هي من تحمل مشعل التغيير.